الشرطة احتاجت إلى علاج نفسي بعد هذا المشهد

لمحة نيوز

الباب ببطء، فانطلقت موجة من الهواء الثقيل والراكد نحوهم.
ثم توقف فجأة في مكانه.
وقف جسده في المدخل كأنه عائق صلب، بينما تحولت ملامح الانزعاج على وجهه إلى حيرة عميقة وذهول واضح.
همس بصوت خافت ما هذا بحق السماء؟
أبعدته الضابطة كيتس برفق إلى الجانب، ثم دخلت الشقة بينما تولى تدريبها المهني السيطرة على تصرفاتها.
أول شيء ض . رب حواسها كان الرائحة.
لم تكن الرائحة المألوفة لتحلل الجثث التي تعلمت التعرف عليها خلال التدريب.
كانت رائحة مختلفة تمامًا، خفيفة لكنها خانقة، مزيج غريب من عطر زهور تُركت طويلًا في إناء مع شيء كيميائي غامض.
كانت رائحة غير طبيعية، رائحة خاطئة على مستوى عميق يصعب تفسيره بالكلمات.
أما الشيء الثاني الذي لاحظته فكان الصمت.
صمت ثقيل إلى درجة أنه بدا وكأنه يمتلك وزنًا حقيقيًا يضغط على الهواء داخل الشقة.
بدت غرفة المعيشة في حالة فوضى غريبة توحي بترتيب طقسي مقلق، أشياء متناثرة لكنها موضوعة بطريقة توحي بأن ما حدث هنا لم يكن مجرد إهمال عادي أو فوضى منزلية عابرة.
ثم رأته.
في منتصف الغرفة تمامًا، فوق سجادة صغيرة تحمل رسماً لشخصية كرتونية ملونة، جلس طفل صغير بجسد نحيل لا يتجاوز الرابعة من عمره، بعينين بنيتين واسعتين جميلتين لكنهما فارغتان تمامًا من أي تعبير أو وعي.
تمايل إلى الأمام والخلف بحركة بطيئة ومنتظمة تشبه بندول ساعة قديمة،
حركة صامتة ميكانيكية تقريبًا، كأن الجسد حاضر هنا بينما العقل والروح ابتعدا بعيدًا عن هذا المكان.
كان حيًا، لكنه لم يكن حاضرًا حقًا؛ عيناه مفتوحتان على اتساعهما دون أن تلتقطا أي شيء حوله، وكأن شب . حًا صغيرًا حُبس داخل جسد طفل ما زال يتنفس.
لكن ما أحاط به جعل المشهد أكثر برودة وإزعاجًا بشكل يصعب تجاهله، فقد أقام حول نفسه حصنًا كاملًا يعزله عن كل ما في الغرفة.
جدار دائري شبه مثالي ارتفع قرابة قد مين، بُني بعناية مدهشة من كل شيء ناعم وقابل للحركة داخل الغرفة، وكأن الطفل أمضى وقتًا طويلًا يرتب كل قطعة بدقة صامتة.
وسائد الأريكة، الوسائد الصغيرة، الد مى القماشية، البطانيات، وكل لعبة صغيرة يملكها، اصطفّت بعناية شديدة لتشكّل حاجزًا متصلًا بلا أي فراغ بينه وبين العالم الخارجي.
لم يكن ذلك عبث طفل يلهو، ولا فوضى لعبة عابرة، بل بدا فعلًا متعمدًا يائسًا لطفل يحاول بناء ملجأ صغير يحتمي به من عاصفة بدأت بالفعل داخل رأسه.
رأت الضابطة كيتس الكثير خلال عامين فقط في الخد مة، ومع ذلك لم تصادف شيئًا يشبه هذا المشهد من قبل، مشهد رعب صامت عميق لا يحتاج صراخًا ولا د ماء.
الطفل، الحصن، الرائحة الثقيلة العالقة في الهواء، والصمت الخانق الذي يملأ المكان، كلها اجتمعت لتصنع لوحة كاملة لصد مة قاسية حطمت عالم هذا الطفل الصغير الصامت.
انحنت ببطء على ركبتيها، وقلبها
يدق داخل صدرها كطبلة ثقيلة، ثم تحدثت بصوت هادئ حاولت جعله لطيفًا قدر الإمكان وسط ذلك الصمت الميت.
مرحبًا أيها الصغير، قالت بنبرة دافئة حذرة، اسمي أميليا، أنا ضابطة شرطة، وقد جئت إلى هنا فقط لأساعدك.
لم يرد الطفل.
لم يلتفت نحوها حتى.
واصل التأرجح بالحركة نفسها، إلى الأمام ثم إلى الخلف، سج . ينًا داخل حصنه الصغير الذي صنعه بيديه ليعزل نفسه عن كل ما حوله.
الضابطة كيتس، امرأة تدربت على التعامل مع الحقائق البسيطة والواضحة في مسارح الجرائم، وجدت نفسها الآن أمام لغز لا يُكتب بالد م، بل بلغة صامتة من حزن لا يستطيع طفل احتماله.
وقفت ببطء ومدت يدها نحو جهاز الاتصال اللاسلكي المعلق عند كتفها.
لم تعرف بعد ما الذي حدث داخل هذه الشقة، لكن أمرًا واحدًا بدا واضحًا لها تمامًا.
هذا لم يكن مجرد بلاغ للاطمئنان على طفل.
بل مسرح ج. . ريمة.
وصل المحقق ديفيد ميلر بعد خمسة وأربعين دقيقة، بخطوات بطيئة وثقة باردة لرجل يعتقد أنه شاهد بالفعل كل شكل ممكن من أشكال انحطاط البشر.
في أواخر الأربعينيات من عمره، بوجه يشبه خريطة طويلة من آثار القهوة الرخيصة وعدد لا يحصى من السجائر، رجل استنزفته عشرون سنة كاملة في قسم جرائم الق . تل.
لم يعد يرى الناس كما هم.
بل يرى أنماطًا.
ولا يرى المآسي.
بل يرى أرقام قضايا.
خرج من سيارته السيدان غير المميزة، واستقبلته حرارة العصر الثقيلة
الخانقة، فرفع عينيه نحو المبنى السكني، وفي اللحظة نفسها بدأ أول مرشح في ذهنه يعمل؛ هذا هو الجانب الجنوبي، حي الطبقة العاملة.
مكان اعتاد أن يربطه في خبرته الطويلة بالأمهات العازبات، نساء يعيشن على الحافة دائمًا، قرار سيئ واحد فقط يفصلهن عن كارثة حقيقية قادرة على قلب حياتهن بالكامل.
صعد الدرج ببطء، بينما بدأ عقله يكتب القصة مسبقًا قبل أن يرى شيئًا حقيقيًا، ثم دخل الشقة فوجد الضابطة كيتس تقف هناك، ووجهها الشاب متجمدًا خلف قناع واضح من القلق.
ثم وقعت عيناه على المشهد كاملًا، الصبي الصغير الجالس وسط حصنه الغريب المصنوع من الألعاب، يهتز للأمام والخلف بحركة رتيبة صامتة تشبه بندول ساعة لا يسمعه أحد.
اكتفى بنظرة واحدة سريعة، نظرة واسعة كأنها تمسح الغرفة بلا اهتمام حقيقي، وعندها استقر المرشح الثاني الأقوى في ذهنه؛ أم عزباء، شقة فوضوية، طفل مهجور.
نمط مألوف شاهده مئات المرات من قبل؛ أم شابة مرهقة، بلا دعم حقيقي، تصل في النهاية إلى نقطة الانهيار، فتجمع حقيبة، تغادر الباب، وتمضي دون أن تلتفت خلفها مرة أخرى.
مأساة، نعم، لكنها في عالمه المهني ليست ج. . ريمة حقيقية، بل مجرد قصة حزينة أخرى تتكرر بلا توقف في ملفات المدينة الثقيلة، قصة عادية تمامًا في يوم عادي.
ماذا لدينا هنا يا كيتس؟ سأل بصوت منخفض خشن يشبه احتكاك الحصى، نبرة خالية تقريبًا من الفضول
الحقيقي، كأن الإجابة معروفة سلفًا قبل أن تُقال.

تم نسخ الرابط