عشق لا يضاهى كاملة بجميع أجزائها (الفصل 116) بقلم أسماء حميدة
الفصل 116
مرّت لحظات ثقيلة كالدهر وسيرين مسلوبة الإرادة مغمورة في قُبلةٍ بدت وكأنها لا تنتهي. ومع مرور الوقت تسلّلت إلى قلبها رعشة غريبة... إحساسٌ خفي بأن هناك شيئًا غير مكتمل، شيئًا معطوبًا تحت السطح.
كانت تشعر وكأنها تغرق في بحرٍ لا قاع له، أنفاسها تفرّ من بين ضلوعها وعقلها ينسلخ عنها شيئًا فشيئًا حتى بدا فارغًا هشًّا كمرآة على وشك التصدّع.
وفجأة كأن الزمن أراد إنقاذها إذ انكسر الصمت بدقّة على الباب.
تجمّد ظافر في مكانه وتوقفت القبلة كما يتوقف نبض قلب عند صدمةٍ كهربائية.
كان ماهر عند الباب، يحمل رسالةً خجولة في وجهه الصارم... لم تتبين ماهيتها... جل ما وصلها أن هناك اجتماع على وشك البدء.
في لحظة عادت سيرين إلى الواقع، إلى مقعدها، إلى ذاتها... كانت الهزيمة واضحة في حركة يديها المرتجفتين... محاولة جديدة سقطت في هاوية الفشل.
وفي مساءٍ رماديّ الوجدان اجتمعا حول طاولة الغداء... سائق ظافر أوصلهما إلى مطعمٍ اعتاد ارتياده لكنّ اليوم لم يكن ككل الأيام... الطعام ساخن لكن الهواء بينهما كان باردًا ككفن.
وبينما كانت تحدّق في طبقها نطق ظافر بنبرة باردة كأنّه يلقي جملة من خلف زجاجٍ مضاد للمشاعر:
"لا تقلقي... لن أطلّقك."
رفعت رأسها فجأة كأنما صفعتها الكلمات... رمشت بعينين متسعتين تحاول أن تلتقط المعنى بين السطور.
لكنه أكمل بنفس البرود المحسوب:
**"بما أن دينا تطالب بنصيبها سأمنحها إياه... أما زواجنا الشرعي فلن أُنهيه... فلا
حدّقت فيه بعينين لا تصدّقان كأنها ترى طيفًا لا يُشبه الرجل الذي عرفته ومن ثم قالت بصوتٍ أقرب إلى الذهول منه إلى الغضب:
**"هل تمزح؟"**
ابتسم بسخرية خفيفة ثم ارتشف من كأسه كأنما يمنحها مهلة لتفهم ما وراء كلماته... إذ قال بتهكّم مبطن:
"إن لم يُعجبك هذا الحل فامنحيني بدائل... الباب مفتوح لاقتراحاتك."
لم تكن تدري أنها أمام اختبارٍ خفيّ لكنه كان يعلم وكان ينتظر.
قالت بصوتٍ حادّ لم تخلُ نبرته من التحدي:
**"سنحصل على الطلاق وحينها يمكنك أن تتزوج دينا بكل راحة."**
تبدّل وجهه فجأة كما لو أن ضوءًا داخليًا قد انطفأ... لم يكن يتوقع أن تُفرّط بهذا الشكل... ما هذا الهراء:
**كانت مستعدة للنوم معه... لكنها لم تكن مستعدة للبقاء معه.**
وهنا انهار الصمت بينهما على وقع بروده القاتل إذ ألقى أدوات المائدة على الطاولة، وبصوتٍ مكتوم قال بجمود لا يرحم:
"ما بكِ؟ أليس كافيًا أنني تزوجتك ذات يوم؟ هل تظنين أنني سأجمع امرأة أخرى فوقك الآن؟"
انقبض وجه سيرين واختنق الطعام في حلقها... لم تعد ترى الطاولة، ولا الملاعق، ولا ضوء الشموع... كانت ترى فقط رجلاً... لم تعد تعرفه... وسؤال بدا كدرب من الجنون:
ألم يكن هو نفسه من أراد الزواج من دينا؟
في طريق عودتهما غلّف الصمت أرجاء السيارة ككفنٍ رمادي لا يُسمع فيه سوى أزيز المحرّك وهمسات العجلات على الإسفلت الرطب... الهواء مشبعًا بالتوتر كأن الكلمات تخشى الخروج خشية أن تُشعل نارًا
قطع ظافر السكون بصوته المتجمّد وكأنه يُلقي حكمًا لا جدال فيه:
**"تذكّري جيدًا... ما زلنا زوجًا وزوجة شرعياً لذا لا أريد أن أراكِ مع كارم مرةً أخرى."**
تجمّدت الكلمات في حلق سيرين كأنّ صاعقًا سحق حنجرتها... وخرج الرد من بين شفتيها كصرخة اعتراض وعينيها نطقتا بغضبٍ مكتوم:
"ولِمَ لا؟ أليس من حقي أن أُقابل صديقي كما تفعل أنت مع دينا؟"
رفع حاجبيه بتلك النظرة التي تُشبه شفرة وقال بحدةٍ باردةٍ كالثلج:
"لأنني لا أحتمل الخيانة."
ارتجف قلبها.. وفزّ عقلها كأنه اصطدم بجدار من المعاني.
**خيانة؟ عن أي خيانة يتحدث؟**
لكنها لم تسأله فقط همست بخوفٍ مشوب بالحيرة:
**"ماذا تعني بذلك؟"
رمقها بنظرة جليدية وأطلق كلماته كسكاكين تنغرز في قلبها دون رحمة:
**"أنتِ تعلمين تمامًا ما أعنيه."**
ثم أضاف بنبرةٍ أكثر حدة:
**"إذا كان كارم مجرد صديق... فكيف تفسّرين وجود نوح؟"**
اصطدمت الكلمات بأذنيها كصفعةٍ مدوّية... فخذلتها الحروف وخانها قلبها المرتبك ولم تجد ما تدافع به سوى تمتمةٍ باهتة:
**"نوح كان... حادثًا... لقد ربيته وحدي ولم يعد هناك شيء يربطني بكارم الآن."**
لكن كلماتها لم تكن لتُطفئ النار في صدر رجلٍ مثل ظافر... رجلٍ يرى الرجولة شرفًا لا يحتمل الانحناء حتى ولو كان في قلبه لها إرثاً لا يفنى من المشاعر.
حدجها بنظرة مشتعلة بالإحباط وقال بصوتٍ يفيض بالسخرية:
**"حادث؟ هل يحدث الحمل من أول مرة؟ أم أنكِ تلمّحين إلى أن الحادث
صُدمت من وقاحته.. فازدردت غضبها وشحبت بشرتها كأن الدم انسحب فجأة من وجهها وإذا بها تقبض كفّيها بتوتر وعيناها تومضان بغضبٍ وذلٍّ صامت.
تمتمت بصوتٍ مكسور:
**"أرجوك... أوقف السيارة... لا أريد العودة إلى المكتب."**
لكن السائق وقد تلبّسه الصمت كظلٍّ مطيع إذ لم يجرؤ على الامتثال دون إشارة من ظافر.
أما ظافر، فلم يأخذ رجاءها على محمل الجد وكأن طلبها مجرّد نوبة عاطفية عابرة.
ولكن فجأة فتحت باب السيارة واندفعت منها بجنون.
قفزت، غير مبالية بالنتائج كأنها تفرّ من ألمٍ يحاصرها من الداخل.
اصطدمت يداها وركبتاها بالأرض وسُمع صوت ارتطامها مكتومًا لكنها لم تصرخ، فقد كان الألم الجسدي أقل فتكًا من الألم الذي اجتاح روحها.
لكنّ اللحظة لم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها... وإذا بدراجة نارية قد انطلقت نحوها بسرعة كالرصاصة وبدت وكأنها ستدهسها في ثوانٍ.
ومن قلب الخطر خرج ظافر من السيارة كصاعقةٍ بشرية... يركض بكل ما يملك من قلقٍ مكبوت وسحبها إلى صدره بقوة كأنما يريد أن يُخبّئها داخل جلده بعيدًا عن كل العالم.
وبعد أن مرّت الدراجة كعاصفة وابتلعها الأفق.. نظر إليها ثم انفجر فيها بصوت مخنوق بالغضب والخوف:
هل فقدتِ عقلكِ؟! ما الذي تحاولين فعله؟! هل تحاولين قتلي بهذا الجنون الذي تنتهجينه؟!"**
كانت بين ذراعيه تتنفس بصعوبة وعيناها تدمعان بلا إذن.
لم تُجبه لكنها أدركت لحظتها أن البقاء معه... يشبه السير حافيةً على الزجاج.
لمتابعة فصول