قصة إرث الخيانة بقلم الأسطورة A&H
في جنازة جدتي، استدعاني محاميها جانبًا. ما رأيته عند الباب المظلم غيّر كل شيء.
في يوم جنازة جدّتي وبينما كان الحزن ينساب في المكان كضبابٍ ثقيل استدعاني محاميها جانبًا لم يكن في صوته ما يلفت الانتباه لكن ما رأيته عند ذلك الباب المعتم لاحقًا كان كفيلًا بأن يبدّل ملامح الحكاية كلها ويقلب يقين الأمس إلى ريبةٍ لا قرار لها.
إن كنت قد وقفت يومًا وسط عائلتك تحيط بك الوجوه المألوفة ثم داهمك شعورٌ غامض بأنك دخيلٌ بينهم كأنك ضيفٌ في بيتٍ يفترض أنه بيتك فأنت تعرف ذلك البرد الخفي الذي لا صلة له ببرودة الطقس؛ بردٌ يتسلّل إلى الروح ويقيم في الفراغ بين الضلوع.
اسمي چينا واليوم الذي وارينا فيه جدّتي الثرى كان اليوم الذي أدركت فيه أن الحزن لم يعد أبشع ما في الغرفة بل ربما كان أرحم ما فيها.
كانت المقبرة تستلقي على أطراف المدينة كسرٍّ قديمٍ أُخفي عمدًا خلف صفٍ طويل من الأشجار دائمة الخضرة أشجارٍ بدت كأنها رُسمت بالفحم على صفحة السماء وكانت السماء نفسها منخفضةً مثقلة بلونٍ رماديٍّ كئيب يكسو الأشياء جميعها هدوءًا زائدًا عن الحد هدوءًا يشبه الصمت الذي يسبق اعترافًا خطيرًا.
كانت الرياح تمرّ كأصابع باردة تتسلل عبر معطفي بلا استئذان ثم تنفذ إلى ذلك الفراغ بين أضلعي كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع أو كأنها تحمل خريطةً لا أعرف كيف أقرأها.
وقفتُ إلى جوار نعش جدّتي دورا أحاول أن أستوعب تلك الحقيقة البسيطة القاسية
لقد رحلت.
رحلت المرأة التي كانت لسنواتٍ طويلة مركز السكون في عائلتنا المضطربة والمرسى الذي تهدأ عنده أمواج الخلافات.
كانت دورا امرأةً من ذلك الطراز النادر الذي يشبه الظلال الوادعة؛ لا يعلو صوتها، ولا تتكلف الحكمة، لكنها حين تتكلم
الصبر يا صغيرتي هو السلاح الوحيد الذي يحتاجه الإنسان في هذه الحياة.
وكانت تقولها وكأنها لا تنصحني فحسب بل تذكّر نفسها أيضًا بأن العالم مهما ضاق أو اشتد لا يُهزم إلا بمن يملكون طول النَفَس.
لكنني وأنا أقف أمام نعشها في ذلك الصباح الرمادي أدركت أن الحياة لا تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لنفهم وصايا الراحلين وأن بعض الأسرار تخرج إلى النور فقط حين يُغلق النعش ويبدأ الصمت في الكلام.
ما إن أنهى القسّ كلمته الأخيرة وانفرط الجمع في حلقاتٍ هادئةٍ من الوجوه الشاحبة حتى شعرت بأن شيئًا ما قد تبدّل في الهواء كانت الخطوات تنسحب ببطء والهمسات تتلاشى كدخانٍ خفيف لكن عينيّ التقطتا نظرةً لم تكن تشبه سائر النظرات.
كان والدي يحدّق بي لم تكن نظرة حزنٍ كسائر نظرات المشيّعين ولا تلك النظرة المتعبة التي ترافق الوداع الأخير بل كانت حادّة، نافذة، كأنها تبحث في وجهي عن جوابٍ لسؤالٍ لم يُطرح بعد.
كان اسمه هاري وقد اعتاد أهل البلدة أن يذكروا اسمه مقرونًا بصفاتٍ جاهزة ناجح، لبق، صاحب حضورٍ آسِر، ورجلٌ يعرف كيف يُقنع الآخرين بما يريد أما أنا فكنت أعرفه على نحوٍ مختلف؛ أعرف تعقيداته وتلك الطبقات الصامتة في شخصيته التي لا يلمحها الغرباء غير أن شيئًا في ملامحه تحت تلك السماء الرمادية المثقلة أوقد في صدري شرارة ريبةٍ لم أستطع تفسيرها.
إلى جواره كانت مونيكا زوجة أبي تقف بثباتٍ محسوب ترتدي معطفًا أسود أنيقًا بدا كأنه خُيط خصيصًا لمثل هذه اللحظات كانت يدها تستقر برفقٍ على ذراعه كأنها وتدٌ خفيٌّ يثبّت
عندها تحرّك أخي الأصغر كالي إلى جواري ثم مال نحوي وهمس بصوتٍ خافتٍ لا يخلو من القلق
هل أنتِ بخير يا چينا؟ تبدين وكأنكِ ابتلعتِ قطعة ثلج.
رمقته بنظرةٍ سريعة وأجبتُه تلقائيًا
أنا بخير.
لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر شيئًا غامضًا يتحرّك في أعماقي ببطء كظلٍ طويلٍ يتسلل في ردهات القلب.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انتهت مراسم الدفن وبدأ المشيّعون يتجمّعون قرب السيارات وفي تلك اللحظة أخذ المطر يهطل خفيفًا كخيوطٍ فضيةٍ رفيعةٍ تنسدل من السماء تغسل الأرض وتضاعف من صمت المكان.
اقترب مني والدي بخطواتٍ واثقة وعلى وجهه ذلك الهدوء المألوف؛ الهدوء نفسه الذي كان يتقمّصه كلما أراد أن يبدو عقلانيًا أو مقنعًا.
قال بصوتٍ منخفضٍ متزن
چينا يجب أن نتحدث قريبًا عن المنزل وعن بعض الأوراق الرسمية.
تجمدت لحظة وعقدت حاجبيّ دهشةً واستنكارًا
فلم تكن جدّتي قد وُوريت بالثرى بعد ومع ذلك كان حديثه يتجه إلى الأوراق والممتلكات.
قلت ببطءٍ متحفّظ
أبي ألا يمكن أن نؤجل هذا قليلًا؟
عندها التفتت مونيكا نحوي بابتسامةٍ ناعمةٍ بدت للوهلة الأولى مشفقة غير أن عينيها ظلّتا باردتين كزجاجٍ مصقول ومن ثم قالت بلطفٍ مصطنع
والدكِ يحاول فقط أن يتأكد من أن كل شيءٍ يسير بنظام يا عزيزتي.
لكن كلماتها على نعومتها تركت في صدري إحساسًا غريبًا إحساسًا بأن النظام الذي يتحدثون عنه قد يكون في الحقيقة بداية فوضى لم تظهر بعد.
انتهى الحديث عند تلك العتبة لا لأن كلماتهما قد استوفت معناها بل لأن العيون من حولنا كانت تتربص والآذان تتنصّت في صمتٍ مهذّب ومع
وفي ساعةٍ لاحقة من ذلك المساء بعدما انفضّ المعزّون عن منزل جدّتي العتيق وغادرت الأصواتُ الغرفَ كما يغادر المدّ شاطئًا متعبًا مررت عبر المطبخ الذي استقر فيه سكونٌ ثقيل هناك على المنضدة الخشبية رأيت إبريق الشاي الخزفي الذي أعرفه كما أعرف ملامح طفولتي.
كان إبريق دورا المفضّل ذلك الإبريق الذي دارت حوله مئات الأحاديث الهادئة وسالت عنده اعترافاتٌ صغيرة وضحكاتٌ خافتة ونصائح كانت جدّتي تنثرها كما يُنثر السكر في أكواب المساء.
تقدّمت نحوه ببطء كأنني أخشى أن أوقظ ذكرى نائمة رفعت الغطاء فإذا بشيءٍ غير مألوف يستقر تحته كان ظرفًا صغيرًا مطويًا بعناية وقد كُتب عليه اسمي بخط جدّتي الواثق
چينا.
في تلك اللحظة شعرت بأن أصابعي فقدت ثباتها ارتجفت يداي وأنا أفتح الظرف كأن الورقة التي بداخله ليست مجرد رسالة بل بابًا يفضي إلى شيءٍ لا أريد أن أعرفه.
وحين بدأت القراءة أدركت أن حدسي لم يخذلني.
لم تكن الكلمات تشبه وداعًا رقيقًا من جدّةٍ حنون ولم تحمل ذلك الدفء الذي ألفته في رسائلها القصيرة.
بل كانت تعليماتٍ دقيقة وتحذيراتٍ واضحة وأسطرًا كُتبت بقلقٍ يكاد يُسمع بين الحروف.
ثم جاءت الجملة التي جعلت قشعريرة باردة تسري في جسدي من كتفيّ حتى أطراف أصابعي
چينا إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة فأنا لم أمت ميتةً طبيعية ولا يجب عليكِ أن تثقي بوالدكِ ولا بالمرأة التي تعيش في منزلي.
تجمدت في مكاني وقفت دقائق طويلة أحدّق في الصفحة بينما كانت ساعة المطبخ خلفي تدقّ بصوتٍ مرتفع كأن كل نبضةٍ منها مطرقةٌ تضرب رأسي.
حاول عقلي أن يتمسك بتفسيرٍ