عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة الفصل 130 هروب دمية من اتحاد معذب
الفصل 130
قالت سيرين بصوتٍ خفيضٍ كأنما تحاول إخفاء ارتعاشةٍ في صدرها:
"آه... لقد عدتَ إذن؟"
أغلقت غطاء البيانو برفقٍ وكأنها تطوي آخر أوراقٍ سريةٍ في دفتر قلبها... ووقفت ثابتةً في مكانها، ظهرها معتدلٌ كنغمة بلحن موسيقيٍّ واهن، تتنفس في صمتٍ خانقٍ يلفّه التوتر.
أسند ظافر قامته الطويلة إلى إطار الباب يعقف إحدى ساقيه، ذراعيه معقوديان أمام صدره، وعيناه شاردتان كأنما تبحثان عن ظلٍّ من الذكريات بين أروقةٍ تفيض بأشباح الماضي.
بصوت هادئ يحمل في نبراته رجاء، قال لها:
"لِمَ توقفتِ عن العزف؟"
كانت كلماته كشرارةٍ أشعلت في قلبها ناراً خافتةً وكأنها توقظ في الذاكرة لحناً غامضاً كانت تخشى عزفه من جديد.
للحظةٍ شعر أن الزمن يعيد سرد نفسه من خلال تلك الأصابع التي عزفت للتو موسيقى لم يسمعها من قبل.
في الماضي كان منهمكًا في عمله حدّ الغرق، غافلًا عن كل الألحان التي تنساب من بين يديها، فهو لم يسمع عزفها إلا مرةً واحدة حين طلب تامر مساعدته المادية... كان يومًا مشؤومًا، يومًا صبّ فيه ظافر جام غضبه على تامر فامتدت شظاياه لتلسع قلب سيرين.
تذكّر ظافر كيف توهجت عيناها خوفًا آنذاك وكيف انكسرت الموسيقى بين يديها حين وبّخها بعنفٍ لم تعرفه من قبل... بعدها اختفت سيرين من قاعة الموسيقى كما يختفي طيفٌ شارد، فلم تعد تداعب مفاتيح البيانو خاصة قصره ولم تجرؤ على ملامسته مرةً أخرى.
لم يدرِ ظافر آنذاك أنّ ما بدا له أمرًا تافهًا كان بالنسبة لها ملاذًا وحلمًا طمره تحت ركام انشغاله.
قالت
"لا أريد إزعاجك..."
ثم تابعت بعدما تنهدت:
"لقد أعددتُ العقد... هل نُلقي نظرةً عليه؟"
كاد ظافر ينسى أمر العقد تمامًا بعدما تاه ذهنه في تلك اللحظة العابرة من العزف فقال بلهجةٍ واثقة:
"بالتأكيد."
سارا جنبًا إلى جنب وكأن المسافة بين قلبيهما تتقلص رويدًا رويدًا.
لم يستطع ظافر أن يُخفي فضوله فالتفت إليها وقال:
"أنتِ بارعة في العزف... ما اسم المقطوعة؟ ولماذا لم أسمعها من قبل؟"
ارتجفت سيرين للحظة كمن باغتته الحقيقة وهو يحاول الفرار منها... ترددت في الإجابة ثم همست بدهشةٍ خجلة:
"ألم تسمعها من قبل؟"
كانت تلك المقطوعة نبض قلبها.... حروفها الموسيقية تهمس باسمه بين المفاتيح البيضاء والسوداء.
لكن ظافر ظل يحدّق في عينيها، وجاء صوته خفيضٌ كنسمةٍ تُداعب خدها:
"هل كان عليّ سماع هذا اللحن سابقًا؟"
ظنّت أنه نسي كل شيء فهزّت رأسها وكأنها تُبعد شبح خيبةٍ قديم:
"كنتُ فقط أسأل عفويًا... كتبتُها عندما كنتُ في الثانوية... لم أنشرها قط."
حين سمع أنها هي من نسجت تلك المقطوعة بأناملها، شعر بشيءٍ غامض يضيء في داخله كأنه اكتشف عالَمًا سريًا يختبأ قلب زوجته.
واصل ظافر سيره أمامها فتبعته سيرين بنظراتٍ تائهة... شيءٌ ما في خطواته الصامتة جعلها تشعر أنه لم يسمع تلك النغمة من قبل... للحظة ظنّت أن الأمر غريب لكنه كان رجلًا مشغولًا بالوقت والأرقام... بجميع الأحوال لقد مرّت أعوام طويلة وبدت لها الذكريات بعيدةً كما لو أنها روايةٌ
حين عادا إلى الغرفة أمسكت سيرين العقد بخفة يدٍ ووضعته أمامه بعنايةٍ كمن يضع قلبه فوق الطاولة:
"ألقِ نظرةً عليه... إن لم يكن فيه ما يُزعجك فسأطبعه ثم نوقعه معًا."
تناول ظافر العقد، يقلب صفحاته بيدٍ مترددة وعيناه تقرآن ما بين السطور أكثر مما تقرأانه من حبرٍ وكلمات.
التقطت أنظاره في صدر العقد ما كُتب بوضوح:
"على الطرفين احترام بعضهما البعض... ولا يجوز لأيٍ منهما القيام بما لا يجرؤ الغريب على فعله إلا بإذن الآخر، ومن يخالف تلك البنود فيحق للآخر الرحيل وفسخ."
كان هو شرطٌ آخر أكثر وطأة:
"أثناء سريان العقد... على ظافر أن يعتني بنوح جيدًا... وبعد أن تُسدّد سيرين ديونها عليه أن يعيد الطفل إليها بلا تأخير... ومن بعد ذلك يقع الطلاق مباشرةً."
امتلأ العقد بشروطٍ صارمة كأنها قضبانٌ تحيط قلبهما:
قواعد صارمة تمنع ظافر من سيرين، يحق لها أن تهرب مع الطفل.
وفي النهاية كان مضمون العقد أن سيرين لا تريد سوى أن ترحل بسلام.
تأمل ظافر تلك السطور كأنها مرايا تعكس وحدته... ثم رفع عينيه إليها وقال بصوتٍ أجشٍ فيه شيءٌ من الاستسلام:
"حسنًا."
كان ظافر يُراقب سيرين بعينين تومضان دفينة في اختبارها إذ أراد أن يعرف إن كانت ستصمد أمام بنود العقد أم ستتهاوى.
لم تكن سيرين تتوقع منه تلك الموافقة السهلة كأنها سقطت من صخرةٍ عالية على بحرٍ ساكن... فقالت وصوتها مذبذب بذهولٍ لا تعرف له اسمًا:
"سأقوم بطباعته الآن."
طبعت نسختين من العقد وجف حبر الآلة قبل أن يخفت ارتجاف أصابعها ومن
حين انتهيا رفعت سيرين رأسها وقالت بحذرٍ كمن يضع قلبه في يد الآخر:
"أتمنى أن تفي بوعدك لي."
ضاق صدر ظافر من وقع كلماتها فرد عليها بحدةٍ مُبطنة:
"وأنتِ كذلك."
لم يَدَعها تتهرب منه فردت بابتسامةٍ باهتة:
"لا تقلق."
ثم انسحبت سيرين من أمامه بهدوء تحمل نسخة العقد وكأنها تحمل عبئًا أثقل من صدرها.
كان الوقت ما زال مبكرًا لكنها آثرت الانسحاب لتكتب مقال اليوم... لكن الحقيقة أنها لم تكن تهتم بالعقد قدر اهتمامها بتغيير أسلوبها.
كانت تتساءل في صمتها
لكنها لم تكن تعلم بعد إن كانت هذه الخطة ستنجح أو ستسقط هي في شباكها.
وفي تلك اللحظة جلس ظافر في غرفة المعيشة يحدّق في النسخة التي احتفظ بها... كانت تلك الأوراق في يده كأنها ورقة توت تخفي عورة الحقيقة.
ابتسم ببرود ثم زفر أنفاسه المختنقة قبل أن يُلقي بالعقد في آلة تمزيق الورق.
ظل يراقب الأوراق وهي تُفتت في صمتٍ كئيب وكأنه يسحق كل ذرة شك داخله.
في الواقع هو لم يعر ذلك التوقيع أي اهتمام... توقيع كهذا لم يكن يعني له شيئًا سوى فرصةٍ للعب أو ربما للانتقام من قلبها لكن في أعماقه كان يتلهف ليرى ما ستفعله سيرين...
خرج صوت آلة التمزيق كنبض قلبٍ يتسارع في ظلمة الليل، يعلن بداية عهدٍ جديد:
عهد لا يُكتب بالحبر بل بالشوق بين رجل وامرأة.
وفي تلك اللحظة نظر ظافر نحو الباب الذي أغلقته سيرين خلفها وعيناه تتوهّج فيهما ومضة التحدّي.
ابتسم بغموض كمن يجهّز نفسه لمعركة
"دعينا نرى يا سيرين... من منا سيفتتح الرقص أولًا!"
رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء