رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة حصرية الفصل 181 ظافر وسيرين
الفصل 181
لم ينقضِ الليل إلا وقد عانق منتصفه بعناقٍ جارف يحمل بين طياته شغفًا مختلطًا بالندم.
كان ظافر لا يزال غارقًا
أما هي فسكنت إلى جواره بصمتٍ لا يشبه الرضا بل أشبه بوخزٍ داخلي ينهش الضمير تنظر إلى الكوب المُعقّم الراقد تحت ضوء خافت كأنه شاهدٌ وقد بدا ما يحتويه كأنه نُقطة من مصيرٍ مخبئ خُطّ بحبرٍ لا يُمحى.
حاولت أن تنسلّ كظلّ يفرّ من جسد وكأنه شعر – في نومه – أن شيئًا منها يُريد أن يهرب.
لم تجد مهربًا فخبأت الكوب تحت السرير كمن يخفي سلاحًا جُرح به قلبه قبل يد العدو وقد قررت أن تنتظر حتى يغادر للعمل صباحًا لتُنهي ما بدأته دون أن تنهار... ثم نظرت إليه... إلى ظافر الذي غرق في نومٍ عميق يقطر صدقًا عفويًا لا يليق برجلٍ خُدع وقد بدا بريئًا بشكلٍ مؤلم كطفلٍ سُلب منه شيء دون علمه.
اقتربت منه وهمست كأنها تعترف لروحٍ نائمة لا تسمع لكنها تُدرك:
"كنتُ صادقة عندما اعتذرتُ لك... ولكن لم أكن أعتذر عن موتي المزيف… ولا عن تركي لك."
توقفت للحظة ثم نظرت إلى موضع الكوب وكأنها تنظر إلى مرآةٍ عاكسة لوجهها المزدوج.
"كنتُ أعتذر… عن هذا."
عن هذا الفعل الذي وإن بدا إنقاذًا.
عن هذه الخطوة التي وإن صنعت لأجل نوح وزكريا فقد تكتب بينها وبين ظافر نهايةً لا يُمحيها الزمن.
تنهّدت وغمغمت لنفسها:
"لم أنجب نوح وزكريا
كانت تعرف أن ما فعلته لا يغتفر لكنها – رغم كل شيء – لم تكن تحاول النجاة لنفسها بل كانت تقاتل لتُبقي ولديها على قيد الحياة... قيد الأمان... قيد أمومتها.
حين انسلّ الخيط الذهبي الأول من شمس الصباح عبر نافذة الغرفة فتح ظافر عينيه بتثاقل... كان الصداع يتمدد في جمجمته كما لو أن صراخًا قديمًا عاد ليطرق أبواب ذاكرته.
استدار قليلاً فوجد سيرين
وفي لحظةٍ من شرودٍ غير متوقع، وقعت عيناه على ظهرها... على ذلك الخط الرفيع الذي شقّ نعومة جلدها كندبة سكين.
كانت تلك الندبة القديمة ترقد هناك بهدوء كقصة لم تُروَ وكأنها توقظ سؤالًا حادًا في صدره.
سأل ظافر بصوتٍ خافتٍ غمره الاستغراب:
"ما هذا الجرح الذي في ظهركِ، سيرين؟"
كأنّ الزمن تراجع خطوة للخلف إذ تجمدت ملامحها ونظرت إليه بدهشة تنزف ألمًا ثم همست بنبرة خافتة ترتجف فيها الذكرى:
"ألّا تتذكر؟"
كانت تلك اللحظة محفورة في أعماقها كما يُحفر الرمز المقدس في معبد عتيق... يومها كانت في السابعة عشرة وكان ظافر في عزّ اشتعاله يحارب ليُمسك بزمام الإمبراطورية التي خلفها له والده ويصارع أطياف الخيانة التي تسللت إلى دمه من أقرب الناس... تلك الطعنة لم تكن موجهة إليها.
نظرت إلى عينيه التي خذلتها الذاكرة وقالت بخفوتٍ مبلل بالحسرة:
"كان عمري سبعة عشر عامًا... كنتُ أنا من صد الطعنة عنك."**
احتبست أنفاسه وهو يعيد شريط الذكرى محاولًا اقتفاء أثر لحظةٍ كان يجب ألا تُنسى لكنه فشل.
تأملها كما لو كان يراها لأول مرة وقال ببطء كأن الكلمة ثقيلة على لسانه:
"لم أعلم أن الأمر كان كذلك... لم يخبرني أحد..."
ابتسمت ابتسامة مشوبة بالخذلان كأنها تُسلّم بأنها لن تجد امتنانًا لا من ظافر ولا من الدنيا.
"مثل طارق تمامًا..."
تمتمت بها لنفسها وكأنها لا تريد أن تُرهق الذاكرة أكثر من ذلك.
جلس ظافر في مكانه جامدًا لا يعرف كيف يردّ الجميل الذي لم يتذكّره لكن الجرح على ظهرها لم يكن يحتاج إلى ذاكرة... كان شاهدًا صامتًا لا يكذب.
كان أغلب أفراد عائلة نصران يعرفون القصة أو على الأقل أجزاءً منها... أما هو فكان كمن شُطِب من ذاكرته سطرٌ وترك مكانه خالياً لا ينبض.
في هذه اللحظة بدا وجهه ساكنًا كصخرةٍ لم يبللها المطر منذ دهر ولكنّ صوته انكسر في الهواء وهمس:
"من فعل بكِ هذا؟"
هزّت سيرين رأسها ببطء كأنها تُبعد عن عينيها غبار الذكرى:
"لا أعلم… لم نقبض على الجاني آنذاك."
غمرهما صمتٌ لا يشبه الصمت العادي بل كأن اللحظة كانت تحبس أنفاسها في انتظاره.
اقترب منها
"لقد تأخر الوقت… عليك الذهاب إلى عملك الآن."
كانت قد نالت ما أتت لأجله ولم ترغب في أن تبقى أكثر من ذلك... أما هو فحدق فيها بدهشة وانقبض حاجباه كأنما الطقس تبدّل في صدره، من دفء إلى صقيع.
همس في أذنها بصوتٍ مبحوح:
"لن أذهب…"
ولم ينتظر جوابًا
لكن سيرين كانت هنا جسدًا فقط وبقي شعورها قصي في مكانٍ آخر...
لاحظ... شعر.... لم يكن غبيًّا ولكنه لم يسأل بل كبح ذلك الوحش الذي بداخله مثلما ضحره مرارًا من قبل.
أشرقت الشمس على الغرفة وتغلغلت أشعتها بين ستائر سميكة كأنها تُعلن بدء فصل جديد من الرواية.
الساعة الآن تشير إلى الظهيرة حين قالت سيرين ببساطة قاتلة:
"أنا جائعة… أريد أن آكل شيئًا."
زفر بتهدج وقد توقّف على الفور عما شرع فيه بحثاً عن بطلة الليلة الماضية كأن كلماتها كانت كفًّا صفَع بها حلمه لكنه لم يُظهر شيئًا... فقط ابتسم يهمس:
"حسنًا… سأطلب من أحدهم أن يُحضِر لنا شيئًا نأكله."
ثم مدّ يده إلى شعرها يعبث به برقة كمن يحاول نسج ذكرى جديدة فوق الأطلال القديمة...
كانت تنظر إليه كمن يرى شبحًا مألوفًا يتجول داخل جسد شخص تعرفه.
ظافر؟
ذلك الرجل الذي صرخ في وجهها منذ أيام معدودة
الذي رمقها بنظرات تفيض بالكراهية؟
أكان هو نفسه الذي يُحدّثها الآن بعينين ممتلئتين بندى الحنين؟