رواية عشق لا يضاهى تمصير الكاتبة اسماء حميدة الفصل 211

لمحة نيوز

الفصل 211

حين اندفع حسن إلى القبو يجرّ خلفه ظلالًا من قلقٍ يتطاير كالعصف، كانت رائحة الغضب لا تزال معلّقة في الهواء، وطيف ظافر قد غادر لتوّه تاركًا وراءه صدى القرار يرنّ في الجدران كطلقات صامتة.

وإذا بابنته لين قابعة في زاويةٍ معتمة، جسدها يرتجف، وشفتاها تلهثان باعتذارات متقطّعة تحاول ترميم خرابًا أحدثه إعصار لا يُرى.

ركع حسن أمامها، وعيناه يفترشهما الخوف. وسألها بصوتٍ مُتهدّج:

ـــ "ما الذي جرى لكِ يا لين؟"

لكن الحارس الذي كان يقف بجوارهما، ردّ ببرودٍ معدني خالٍ من أي أثرٍ للشفقة:

ـــ "قال السيد ظافر إنّها لا تستحق البقاء تحت سقف عائلة نصران. ومن هذه اللحظة، لا يريد رؤيتها مجددًا، لا في القصر، ولا في المدينة."

أومأ حسن بصمتٍ ثقيل كأن القرار قد دُقّ في قلبه كمسمارٍ صدئ. بينما اشتعلت مقلتيه بحمرة الغضب، وأخفض رأسه قائلاً:

ـــ "أفهم... سأُرسلها خارج البلاد على الفور."

في تلك اللحظة كانت لين قد هدأت ظاهريًّا، لكن اضطرابها الداخلي كان يعصف بها كالزوابع، فاقتربت من حسن وضمّته بقوة، وهمست عبر شهقاتها:

ـــ "لا أريد الرحيل يا أبي... كلّ هذا بسبب سيرين..."

ربّت حسن على كتفها وفي عينيه غضب لم يهدأ:

ـــ "أعلم."

على مقربة في سيارةٍ سوداء متوقفة تحت السماء الرمادية أمام بوابة قصر عائلة نصران، كان ظافر يجلس كبركانٍ خامد يخفي تحت رماده جمرة لا تخمد… أنامله تدور بين السيجارة والفراغ والنار في عينيه أكثر اشتعالًا من التبغ ذاته… وإلى جواره

ماهر يقدّم تقريرًا باردًا عن آخر تطوّرات العمل:

ـــ "كل المشاريع تسير كما ينبغي، ما عدا الشراكة مع كارم... المساهمون بدؤوا يشكون في الخفاء، يتململون من تأخّرك عن المكتب. القلق يتسرّب إليهم."

رمقه ظافر بنظرةٍ فاحصة قال دون أن يلتفت:

ـــ "وإلى متى تعتقد أن كارم قادرٌ على الثبات؟"

هزّ ماهر كتفيه بتردّد:

ـــ "كنتُ واثقًا من ضعفه، أمّا الآن... فلستُ متأكدًا. شركاؤه الجدد لا يمكن الاستهانة بهم."

ابتسم ظافر بسخريةٍ متقنة:

ـــ "لو كانت شركة غير تلك التي يعمل معها، لانسحبت من السوق خلال عام... لكن كارم صمد خمس سنوات. لن أستهين به، ولكن لن أسمح له ب…."

توقف ظافر لوهلة ثم أضاف وهو يُلقي نظرة زجاجية إلى الأمام:

ـــ "استمر بالضغط… أريد أن أرى ما خُلق منه، وما إن كان الحديد في روحه أم الطين."

كان ظافر يعلم أنّ كارم طُعن في ظهره أكثر من مرّة أثناء تواجده خارج البلاد ومع ذلك ظلّ واقفًا. وهذا ما جعله أكثر خطورة. ولهذا وجب اقتلاعه من جذوره.

ـــ "أفهم يا سيدي."

سكت ماهر للحظة، ثم تساءل متردّدًا:

ـــ "سيد ظافر... هل السيدة تهامي غاضبة مجددًا؟"

كان يعلم أنّه لولا تلك العاصفة التي اشتعلت بين ظافر وسيرين لما أُتيح له الجلوس والتحدّث بهذا الهدوء وإلا فما الذي يدفع ظافر لمناقشة العمل في السيارة وسط دخانٍ وضجيجٍ داخلي؟

ردّ ظافر وهو يزفر دخانًا كثيفًا، كأنّه يلفظ اسمها معه:

ـــ "إذا لم يكن لديكَ ما هو أهم... اغرب عن وجهي."

همّ ماهر بالمغادرة لكنه

التفت مبتسمًا بمكر صغير وذلك بناء على تجربته بالأمس مع خطيبته التي كان على وشك خسارتها وقد أثمرت توجيهات سيرين السابقة له، فقال:

ـــ "سيدي، النساء لسن بذلك التعقيد... فقط قُل لها ما تحبّ سماعه، اقنعها بكلماتٍ رخوة، واهدها شيئًا يلمع وستذوب لك كالشمع."

لم يجبه ظافر لكنه نظر إلى ولاعته كمن يُفكّر في حريقٍ من نوع آخر.

وقبل أن يُتمّ ماهر وصاياه المتذاكية باغته ظافر بنظرةٍ صارخة من عينيه المشتعلتين بالغضب ثم لفظ أمره جافًّا كطلقاتٍ خرسانية:

"اخرج."

كان الأمر أشبه برصاصة طائشة أصابت كبرياء ماهر في مقتل فتجمّدت الكلمات في فمه وتقلّص صوته إلى صمتٍ خانق ومن ثم فتح باب السيارة ببطءٍ كأن الحديد يقاومه، وخرج يجر أذيال خيبته دون أن يلتفت.

في الخلف كان الحارس الشخصي يراقب المشهد من بعيد وقد اتّسعت حدقتاه بدهشةٍ لم يعتدها فما رآه الآن لم يكن الرجل الهادئ الصلب الذي اعتاد على دقة التنظيم وهدوء التصرّف... كان يرى شبحًا لامرئٍ فقد بوصلة السيطرة يُطرد كطفلٍ أخطأ في حصة الحساب.

كانت تلك اللحظة أول مرة يشهد فيها الحارس انكسار ماهر ذلك الذي لطالما بدا كمن خُلق من فولاذٍ لا يُكسر، لكنه الآن خرج من السيارة كأنّه ترك قلبه فيها.

كانت الليلةُ تتشحُ بالغيوم والمطرُ في الخارج يهمس بتراتيلٍ لا تنتهي، وفي الداخل خيّم السكون على الغرفة لا يُقطّعه سوى صوت أنفاس سيرين المنتظمة وقد انزلقت أخيرًا إلى بئرٍ من النعاس بعد جولةٍ طويلة من التقلّب والشرود… وفجأة باغتَها

دفءٌ غريبٌ ينسلُّ خلفها... رائحة دخانٍ مُشتعل ومشروب باهت التصقا بثيابه وتسلّلت إلى أنفها كأنها توقيعٌ لا يُمكن تزويره كان هو…. ظافر.

عاد الرجلُ الذي غاب طيلة اليوم كمن خرج من نفقٍ طويل بلا رجعة… لم تكن حنين بل قبضة من نارٍ تلفح القلب قبل الجسد.

همس خلفها، بصوتٍ يقطر سخريةً ومرارة:

"هل أنت نائمةٌ فعلًا يا قاسية القلب؟"

كان يظنّها قد استسلمت للنوم لكنه لم يستسلم لأي شيء هذه الليلة… لم يغمض له جفنٌ وهو في سيارته يطارد أفكاره كمن يطارد شبحًا لا يراه.

كان ينوي أن يُروّضها، أن يجعلها تندم، أن تنتحب أمامه على كل ما مضى.

شهرٌ واحدٌ هكذا خطّط، شهر واحد يكفي ليعيد التوازن بينهما… لكن بعد نصف شهر فقط وكان الشرخ قد اتّسع.

أما سيرين التي لم تنسَ كيف نعتها بالمحتالة الصمّاء أغلقت عينيها وكأنها تُغلق بابًا بوجه الألم… تجاهلته وابتعلت أنفاسها بصمتٍ قاسٍ إذ لم تُرد لأي عاصفة أن تهزّها هذه الليلة فقد كانت تنتظر الصباح حين تنقشع الغيوم عن عقلها، فتخطو بخطواتٍ موزونة نحو ما تريده حقًا لا ما تُمليه عليها اللحظة.

لكن ظافر لم يكن ينوي السماح لها بالهروب الهادئ… قربها كريحٍ مشاكسة تعبث بستائر القلب، فأخذ يتأملها كمن يبحث عن خريطةٍ ضاعت من بين أنامله.

اقترب أكثر وهمس في أذنها بعبثٍ طفولي ممزوج بالرجولة:

"هل ستحلمين بي الليلة؟"

لم يكن سؤالًا بل كان تصريحًا متخفّيًا في ثوبِ شاعرٍ متألم… أراد أن يعبث بصمتها، أن يوقظها كما تُوقظ الصاعقة شجرةً نائمة لكنها

بقيت كما هي ولم تنبس ببنتِ شفة.

وفي ذلك الصمت كان هناك حديثٌ خفي لا يسمعه إلا من تألم كثيرًا.

تم نسخ الرابط