رواية رهينة العرف كامله الفصل الثاني 2 للكاتبة أسماء حميدة
عريسي ملياردير هارب الفصل 2
تسلل صوت رئيس المشفى كصفعة هادئة على سطح ساكن
إنها هي تينا كانت المناوبة الليلة الماضية على عهدتها.
اندفع آدم مساعد يعقوب بنظرة متفحصة نحو بطاقة اسمها المعلقة على صدرها وقال بصرامة لا تحتمل جدالا
تعالي معي.
ارتبكت تينا فتعثر السؤال على لسانها
لماذا!
لكن مدير المستشفى قطع عليها ترددها بخفة لا تخلو من القوة
اذهبي فحسب لا تجعلي السيد يعقوب ينتظر.
كان الممر المؤدي إلى مكتب المدير يزداد برودة مع كل خطوة وكأن الجدران تهمس بخوف مكتوم وحين دفعت تينا إلى الداخل وجدت رجلا ممددا على أريكة عريضة يفيض حضوره بسلطة لا ترى وأول ما يلتقطه البصر كانت قامته الطويلة العريضة ثم ذاك الشحوب الذي رسم على شفتيه ملامح غامضة بينما رائحة المضادات الحيوية تتشابك مع أثر خافت للدم كأن الغرفة تخفي جرحا لا يريد أن يعلن عن نفسه.
كان يعقوب يرتدي السواد كله سواد يلمع على بشرته كما لو كان درعا من الليل ذاته بينما نظرة واحدة منه كافية لأن تزرع في الجسد قشعريرة تشبه السقوط.
اقترب آدم بخطى محسوبة وانحنى هامسا في أذن يعقوب
تأكدنا أن جميع الكاميرات معطلة لقد أرادوا أن يخفوا كل أثر لهم وهذه هي تينا الطبيبة التي كانت في العيادة تلك الليلة. سجلات المستشفى تؤكد ذلك.
رفع يعقوب رأسه وعيناه كبرق يخترق العتمة استقرتا على وجهها فشهقت تينا بلا وعي تهمس بداخلها
إنه رئيس مجموعة
قال يعقوب بصوت عميق فيه أثر ما لم يقال
أأنت من ساعدني الليلة الماضية
خفضت تينا بصرها سريعا كمن يخشى الاحتراق من وهج النظر
نعم همست غير متأكدة مما حدث مدفوعة فقط بغريزة تخبرها أن التقرب منه قد سيفتح لها أبوابا كثيرة فاليوم سيحسم اختيار الأطباء الذين سيتلقون التدريب في المستشفى المركزي للمنطقة العسكرية الثانية تدريب يسمونه لكن الجميع يعرف أنه ممر إلى منصب دائم وعلاقات لا تقدر بثمن.
أرخى يعقوب كتفيه قليلا وصوته ينساب ببرود مموه بحرارة خفية
أستطيع أن أمنحك ما تشتهين حتى الزواج إن أردت.
ارتجفت الكلمات على شفتيها كأن صاعقة داهمتها
ماذا أنا لم تستطع أن تصوغ جملة واحدة فالأحداث تتدافع حولها كتيار جارف.
نهض يعقوب واقفا قامته تلقي ظلا طويلا فوقها
تعالي إلي عندما تقررين ثم أشار لآدم بهدوء
أعطها وسيلة الاتصال.
اقترب مدير المستشفى متملقا كي يرافقه إلى الخارج لكن يعقوب لوح بيده
لا داعي فقط اعتن بها جيدا كلما كانت هنا.
ابتسم المدير بوداعة مصطنعة
لا تقلق سأتولى ذلك بنفسي.
حين غادروا الممر وأغلق الباب تمتم آدم بتحفظ وهو يساير خطى سيده
سيدي أنت متزوج.
لم يتوقف يعقوب عن السير غير أن حاجبيه انعقدا وابتلعت ملامحه ظلا داكنا يزمجر بصوت خافت كأنه يخرج من أعمق كهف
هي من طلبت ذلك.
تردد صدى العبارة في أذن آدم ولم يعرف إن كان يعني المرأة التي فرض على سيده الزواج منها أم عن
عاد الليل يلقي بظله المخملي على جدران القصر الذي انتقلت إليه بعد زواجها الليلة الماضية حين وطئت ليان عتبته كالعائدة من منفى قصير يقطر تعبا.
استقبلتها السيدة كاميليا بابتسامة دافئة تتخللها لمحة فضول فليان لا زالت عروس
سيدة جبريل أكنت خارج القصر بالأمس
أجابتها ليان بصوت واهن والإنهاك يلون ملامحها كحبر على صفحة بيضاء
كان علي أن أغطي نوبة عن أحدهم.
أدركت كاميليا من أول نظرة أن لا فائدة من الأسئلة فاكتفت بإنحناءة خفيفة تاركة الصمت يمهد الطريق لصعود ليان نحو الطابق العلوي.
في حوض الاستحمام الموشى بالبخار تركت ليان الماء ينساب على كتفيها كمن تحاول غسل ذاكرتها لكن الصور التي تسللت إلى ذهنها كانت أعتى من أن يمحوها ماء فأغمضت عينيها ودفنت وجهها بين كفيها فإذا بحرارة الخجل تتصاعد إلى وجنتيها كجمرة لا تهدأ والأحداث التي جرت ليلة الأمس تشتعل في عقلها كحكاية لا تريد لها أن تروى والأسوأ أن قلبها يذكرها بما لم تستطع إنكاره
ارتدت ليان ملابسها على عجل كمن يحاول ارتداء درع يقيه وخز الضمير وهمت بالخروج وعندما لمحتها كاميليا عند أسفل الدرج بادرتها بقلق أمومي
خروج آخر ألن تتناولين فطورك أولا
رمقت ليان الساعة وعيناها تفصحان عن استعجال
سأتأخر عن العمل.
كانت كاميليا تعرف أن عمل ليان كطبيبة يستدعي الرحيل مع الفجر ومع ذلك
اشربيه قبل أن تذهبي.
توقفت ليان لحظة تتأمل في ملامح المرأة التي تفوح طمأنينة ثم همست بابتسامة شاحبة
شكرا لك.
ردت كاميليا بابتسامة عريضة ووجهها المستدير يشع بلطف نادر
على الرحب والسعة.
ارتشفت ليان الحليب سريعا ومن ثم سلمت الكوب بهدوء لكاميليا ثم انطلقت خارج القصر تتعقبها نظرة فيها دعاء صامت.
لم تذهب ليان مباشرة إلى عيادتها بل ساقتها قدماها أولا إلى وحدة العناية المركزة حيث تقيم والدتها وهناك وسط رائحة المطهرات وصفير الأجهزة خفت قلب ليان وهي ترى أن شيئا لم يتغير إذ كانت الأم تستلقي كطائر أنهكه التحليق بينما قصور القلب ينهش جسدها النحيل فلم يعد أمامها سوى زرع قلب جديد عملية تتطلب ثروة تعجز عنها يد عادية.
غامت عينا ليان بالدموع وهي تتذكر كيف اضطرت إلى قبول زواج لم ترده إذ رفع والدها سيف التهديد عاليا
لن أدفع فلسا لعلاجها وهكذا أجبرت على إبرام صفقة مع القدر لتبقي أمها حية والآن لم يبق سوى انتظار معجزة على هيئة متبرع يفتح نافذة الحياة.
اقتربت ليان من سرير والدتها تهمس بصوت مبلل بالرجاء والمرارة
سأنقذك يا أمي أقسم أنك ستتعافين.
كانت تلك المرأة النائمة أمامها أكثر من أم كانت صديقتها الأعمق وسرها الأوحد.
ثوان ورن الهاتف في جيب معطفها قاطعا سكون العهد الذي قطعته لتوها وعندما أجابت اندفع عبر السماعة صوت
ليان هل يمكنك مساعدتي أرجوك