روايه رهينة العرف كاملة جميع الفصول للكاتبة أسماء حميدة الفصل الرابع 4
رواية عريسي ملياردير هارب كاملة الفصل 4
أبقت ليان رأسها منخفضاً تحتمي من بقايا نظراته وسارت بخطًى مترددة نحو حقيبتها الطبية ورغم اضطراب قلبها ظلّ صوتها ثابتاً يحمل رصانة الطبيب الذي لا يفرّق بين مريضٍ وعدو:
«إيّاك أن تدع الغُرز تلامس الماء وضع المطهّر مرّة في اليوم وارتدِ ثيابًا فضفاضة لا تحتكّ بالجروح».
قالتها ووضعت على الطاولة علبًا صغيرة وأردفت وعيناها تتجنبان النظر إليه:
«هذه أقراص تُتناول فمويًا… وهذا مطهّر».
جاء صوته من خلفها باردًا:
«حسنًا».
لم يلتفت فلم ترَ منه سوى ظلٍ يزداد غموضًا في عينيها وعندما لم تجد ما تقوله اكتفت بجمع حقيبتها وغادرت.
كانت عقارب الساعة تقترب من الحادية عشرة عندما استقلت سيارة أجرة تعيدها إلى المستشفى وفي الكافتيريا تناولت وجبةً خفيفة لا طعم لها؛ فكل شيء من حولها بدا كأنه مجرد صدى بعيد وما إن عادت إلى العيادة حتى استُدعيت على الفور إلى مكتب المدير.
كان وجهه مشدودًا وفي عينيه شيءٌ من التردد يوحي بأن الكلام أثقل من أن يُقال… وأخيرًا تنفّس وقال:
«سأسمح لتينا بالتدرّب في المنطقة العسكرية الثانية».
تجمدت الكلمات في حلق ليان قبل أن تنطق باحتجاجٍ مخنوق:
«لكن… ألم توافقوا من قبل على أن أذهب أنا؟»
ارتسمت على ملامحه نظرة اعتذارٍ يائس.
«أنتِ تعرفين أن أحدث معداتنا الطبية تبرعت بها مجموعة الضوء… صاحب المجموعة يعقوب جبريل طلب منّي أن أمنح المقعد لتينا… ولا أملك ما أفعله».
تشنج قلبها عند سماع الاسم… يعقوب جبريل… زوجها الذي لم يره أحد من عائلتها قط ولم تعرفه إلا من صورٍ
همست وهي تحاول أن تبقى هادئة:
«إذن… هكذا سيكون الأمر؟»
أومأ المدير بأسفٍ ثقيل مجيباً:
«نعم… لكن لا تقلقي نحن نعرف قدر احترافيتك… مكانتك محفوظة».
خفضت عينيها تتجرع الغصة التي علقت في حلقها مغمغمة:
«أفهم».
كانت تعلم في أعماقها أن كونها زوجةً فرضها والدها على يعقوب لا يعني شيئًا وأن كلماتها لن تغيّر مسارًا رُسم في غيابها فتنفست ببطء ثم قالت ببرودٍ يحجب العاصفة التي في صدرها:
«لدي عمليتان جراحيتان بعد الظهر… سأذهب».
تنهد المدير وفي صوته ظلّ من اعتذار لا يُجدي:
«بالتأكيد… تفضّلي».
غادرت ليان المكتب وخلفها بقيت الجدران شاهدة على صراعٍ مكتوم فيما كان قلبها يمضي إلى معركةٍ لا يراها أحد.
بعد أن سكبت ليان كل ما تبقّى من طاقتها في عمليتَين جراحيتين متتاليتين، خرجت من غرفة العمليات وهي تشعر بجسدٍ أثقل من الرصاص وروحٍ تتوق إلى لحظة سكون.
غسلت ليان يديها بإتقانٍ آلي وخلعت زيّها الأزرق ثم استسلمت لكرسيٍ في زاوية الغرفة، وبعد لحظات فُتح الباب بهدوءٍ يحمل رائحة عطرٍ متصنّع فظهرت تينا وعلى شفتيها ابتسامةٌ نصفها ودٌّ ونصفها حساب.
قالت بنبرة متأنّقة: «دكتورة ليان… ما رأيك أن نتعشى معًا الليلة؟»
رفعت ليان عينيها بصعوبة ثم هزّت رأسها برفقٍ حازم:
«آسفة، لديّ أمرٌ لا يحتمل التأجيل».
كانت كلماتها كحاجز زجاجي بينهما؛ واضح لكنه لا يُكسر فمنذ أيام الجامعة لم يتجاوز ما يجمعهما حدود الزمالة الباردة فتينا بطبعها
توقفت تينا لحظة كأن شيئًا يلحّ عليها:
«حسنًا… في الواقع جئتُ لأخبرك بشيء».
نهضت ليان ببطء تعلّق زيّها في الخزانة ولم تلتفت نحوها ومن ثم قالت ببرودٍ رقيق:
«تفضّلي».
كان في قلب ليان نفور لها يتضاعف منذ سمعت همسًا عن خيوطٍ غامضة تربط تينا بيعقوب.
ترددت تينا ثم قالت بنبرة اعتذارٍ مصطنعة:
«ربما سمعتِ بما حدث… أنا آسفة لم أكن أعلم أن الرئيس سيتصرّف هكذا».
قطعت ليان كلماتها كسكينٍ يقصّ شريطًا من هواء:
«لا بأس».
خفضت تينا نظرها لثوانٍ لكن بريق فكرةٍ ما سرعان ما أضاء عينيها:
«أيضًا… أيمكنك ألا تذكري لأحدٍ أنني لم أكن في المستشفى الليلة الماضية؟ لا أريد مشاكل قبل بدء فترة تدريبي».
كان الطلب غريبًا لكن غرابة تينا لم تفاجئ ليان قط لذا أجابت بصوتٍ متزن يشي باللامبالاة:
«بالطبع، لن أفعل».
ففي هذا العالم الذي تعوّد المفاجآت كان استبدال الأطباء في اللحظة الأخيرة أمراً مألوفًا كأن الطوارئ جزءٌ من تنفّس المستشفى لا يجب أن يتوقف لغياب أحد ومع ذلك ظلّ في قلب ليان شيءٌ يهمس بأن هذه الليلة تُخفي أكثر مما تُظهر.
خارج أسوار المستشفى كانت السماء قد ارتدت عباءة الليل والنجوم تتسلّل خجلى بين سُحبٍ رمادية فيما أضاءت مصابيح الشارع الطريق كحبات لؤلؤٍ تنثر ضوءها على الإسفلت الرطب وعند الرصيف اقتربت سيارةٌ فارهة متعدّدة الأغراض يتلألأ هيكلها تحت أضواء المصابيح كأنه قطعة من معدنٍ سماويّ.
في
أمال زاكاري جسده إلى الأمام وهو يتباهى كعادته وقال مبتسمًا:
«إذن؟ ألا ترى أن زميلتي الصغيرة أبدعت؟»
لم يُجِب يعقوب إنما ظلّ يحدّق في ظلال الطريق كأنه يعيد رسم ملامح وجهٍ لم يمنحه القدر فرصة لتأمله وقتها.
قطع آدم الصمت المفاجئ من المقعد الأمامي وهو يشير بإصبعه نحو الممر:
«تلك هي السيدة تينا».
خفض يعقوب زجاج النافذة فاندفع هواء الليل البارد إلى الداخل يحمل معه رائحة الياسمين الممزوجة بغبار الطريق كانت تينا تقترب بخطواتٍ واثقة شعرها يلمع تحت الأضواء وابتسامة نصفها ترحيب ونصفها غموض.
رفع زاكاري حاجبيه بدهشة وهو يلمحها:
«تينا؟!»
التفت إليه آدم وقد ارتسمت في عينيه علامة استفهام:
«أتعرفها؟»
أجاب زاكاري وهو يميل برأسه:
«إنها أصغر منّي… زميلة من أيام الجامعة».
في تلك اللحظة التمعت عينا يعقوب ببريقٍ خاطف… بريقِ رجلٍ بدأ يربط الخيوط. لقد أنقذته طبيبةٌ في الليلة الماضية ثم عالجت جراحه هذا النهار وها هي الآن تقترب من سيارته لكن شيئًا في الصورة كان مقلقًا… لقد حسبها تينا وهو على سرير الألم وربما التبست عليه الأسماء والوجوه خطأ يضاعف ارتباكه.
همس آدم كمن يحدّث نفسه:
«أيمكن أن يكون سهم كيوبيد قد سبقنا جميعًا؟»
عقد زاكاري حاجبيه متبرّمًا:
«عن أي هراءٍ تتحدث؟»
بادر آدم يقول:
"السيد يعقوب….."
وقبل