رواية رهينة العرف كاملة الفصول الفصل 19 الكاتبة اسماء حميدة
الفصل 19
كان في ذهن هارفي تلك المرأة التي ترتجف أمامه الآن أشبه بهدية سخية
أما ليان فقد شعرت ببرودة تلسع أعماقها كصقيع مفاجئ يخترق عظامها.
اقترب منها هارفي مبتسما بثقة قذرة وقال
لدي غرفة خاصة هنا حيث يمكننا أن نستمتع بوقتنا دون إزعاج.
ثم أمال رأسه قليلا متأملا وجهها وقال بنبرة ماكرة
حقا غريب أن رجلا مثل يعقوب لا يرغب بجمال فاتن مثلك أليس كذلك ألا يحب النساء أصلا
كانت كلماته كطعنة تتلوها أخرى لكن ليان تماسكت هي تعلم أن يعقوب لا يملك صديقة وأنه دوما محاط برجاله وحرسه مما فتح أبواب الشائعات على مصاريعها.
البعض قال إنه عاجز بينما هي وحدها تعلم أن الأمر أبسط وأعمق من كل تلك التفاهات إنه فقط رجل لم يفتح قلبه بعد... لا لأحد أو ربما تينا.
ضحكت ليان ببرود قاتل وقالت
يعقوب لا يحب النساء لا... هو فقط لم يحبني بعد. لكن غيرته على تينا وهي تلهو مع تشاد كانت كافية لتفصح عن شيء آخر... اهتمامه بها ربما
قاطعت
علي أن أشكر يعقوب حقا فلولاه ما كنت لألتقي بك... رغم أن المشرط الذي كدت تغرسينه في عنقي ما زال يذكرني بجرأتك تلك الليلة! النساء أمثالك يتظاهرن دوما بالرفض لكن في النهاية... كله صراخ جميل لا أكثر!
اشتعلت نظرة ليان ببريق جليدي خطير حتى إن الهواء من حولها بدا كأنه يوشك أن يتجمد ومن ثم قالت وهي تشد على أسنانها
نعم... يجب أن أشكره أنا أيضا.
تلألأت عينا هارفي وهو يقترب أكثر
إذن هل ستأتين معي الآن
رفعت ليان رأسها ببطء تتنفس بعمق كأنها تستسلم ثم همست
بالتأكيد...
لكن في اللحظة التالية انقضت عليه كالنمر الجائع تغرس أسنانها في يده بقسوة مفاجئة!
فصرخ هارفي من الألم وارتد إلى الخلف
وفي نفس اللحظة دفعت رأسها بقوة إلى وجهه
تراجع هارفي يتألم بينما هرعت هي إلى الباب كأن جناحين نبتا من كتفيها لم تلتفت بل ظلت تركض بكل ما فيها من خوف وغريزة للبقاء وقلبها
معركة خاسرة تعلم أن مصيرها مظلم إن أمسك بها لذا كانت تفر كمن يهرب من الموت نفسه والريح تصفع وجهها أنفاسها تتلاحق والمدينة تدور حولها كدوامة من الخطر لكنها لم تتوقف فإن فعلت فهذا يعني النهاية.
لم تبطئ ليان خطاها لحظة حتى بعد أن تأكدت أن لا أحد يلاحقها كانت تهرول كمن يفر من ظله والريح تعبث بخصلات شعرها المبتلة بالعرق حتى بلغت أخيرا شارعا مزدحما يضج بالحياة هناك فقط تهاوت أنفاسها المتلاحقة وتباطأت خطواتها كأن الأرض بدأت تمسك بها لتمنعها من السقوط.
جلست على الرصيف المنهك تسند ذراعيها إلى ركبتيها تتنفس بعمق متقطع فيما كانت قطرات العرق تتسلل من شعرها إلى عنقها كخيوط ماء مالح تلسع جلدها رفعت بصرها قليلا تراقب المارة يعبرون في عجلة لا تشبه عجلتها وجوه غريبة ضحكات لا تخصها عالم يدور من دونها.
ثم فجأة دفنت وجهها بين كفيها وانفجرت بالبكاء بكاء مكتوم كأن صدرها يحاول طرد ما تبقى من روحها عضت شفتيها بقسوة كمن
يا له من رجل جعل حياتها مسرحا للخوف! لم تعد قادرة على العيش معه ليس فقط لأنه حاول إيذاءها مرارا بل لأنها باتت تشعر أن موتها بين يديه مسألة وقت لا أكثر.
لكن إلى أين تهرب وإلى من تلجأ
جلست هناك منكمشة على نفسها كطائر مبلل تخلى عنه دفء عشه أو كجرو ضال يبحث عن زاوية تحميه من العالم والخوف من يعقوب كان يلتهمها من الداخل يمنعها حتى من التفكير في العودة إلى القصر ومع ذلك لم يكن أمامها مكان آخر لا مال ولا سند ولا روح ترأف بها.
نظرت إلى المارة مجددا بعينين غائرتين ومرت في ذهنها فكرة واحدة كطوق نجاة وحيد
العودة إلى منزل والديها ربما من راشد يمكنها الحصول على بعض المال ولو مؤقتا.
نهضت من مكانها مترددة ثم تماسكت ترفع يدها لتوقف سيارة أجرة وجلست في المقعد الخلفي بصمت مطبق تتأمل الشوارع من خلف الزجاج وعندما وصلت إلى وجهتها دفعت الأجرة بخفة ثم فتحت باب
المنزل بخطى واسعة ولكن ثقيلة