رواية رهينة العُرف مكتملة (الفصل 21) الكاتبة اسماء حميدة
الفصل 21
التقى آدم بيعقوب قبيل مغادرته المكتب فحياه سريعا
مساء الخير سيد جبريل.
رفع يعقوب بصره إليه بنظرة حاسمة كحد النصل وصوته يحمل نفاد صبر مكتوم
هل اكتشفت شيئا جديدا
تنهد آدم في سره. ما أنا بسوبرمان يا سيدي! قال في نفسه متحسرا وهو يتذكر كم المهام التي أغرقه بها يعقوب منذ الصباح ثم أجاب بحذر ظاهر على وجهه
لا يا سيدي كنت فقط في طريقي إلى الخارج.
ظل يتساءل في صمت عن السبب الذي جعل رئيسه يبدو متوترا إلى هذا الحد حين قطعت السكرتيرة صمت المكان بخطوات سريعة وصوت متزن
سيد جبريل.. هناك الآنسة تينا في مكتب الاستقبال تطلب مقابلتك.
لم يكد آدم يتم جملته وهو يقول
السيدة تينا هل يمكن أن تكون
حتى رأى وجه يعقوب يتجهم في لحظة خاطفة فآثر الصمت احتراما للمقام.
ساد هواء ثقيل في المكتب كأن شيئا غير مرئي يضغط على الجدران ثم قال يعقوب ببرود قاطع
أحضرها إلى الطابق العلوي يا آدم.
آماء آدم برأسه مجيبا بطاعة
أمرك سيدي.
بعد دقائق صعد آدم ومعه تينا إلى مكتب الرئيس التنفيذي.
كان يعقوب واقفا بجانب مكتبه وقد خلع سترته وألقاها بإهمال على مقعد جلدي قبل
بدت تينا أنيقة كعادتها مزيجا من الزهو والاتزان وقالت بخفوت وهي تحاول الابتسام
أعتذر عن زيارتي المفاجئة... هل أبدو متغطرسة
أجابها يعقوب دون أن يغير ملامحه
لا.
لم يكن ينوي مجاملتها أو حتى استجوابها فكل ما يخصها فقد بريقه في نظره لم تعد عفتها أو نواياها تثير اهتمامه بعد الآن.
ترددت تينا قليلا تبحث عن الكلمات فبادرها هو بنبرة مباشرة خالية من العاطفة
هل تحتاجين إلى مال
اتسعت عيناها دهشة وقد قرأت في صوته ما لم تنطقه شفتاها بعد كيف عرف
لكن يعقوب لم يمنحها فرصة للتفسير بل مضى في صلب الأمر كمن يريد إنهاء مهمة ثقيلة
كم المبلغ الذي تحتاجينه
همست متلعثمة
إن والدي... مريض
قاطعها بعنف غير متوقع صوته يخترق الصمت
مليون عشرة ملايين!
لم يكن في صوته تعاطف أو رغبة في الفهم بل نفور بارد من التبريرات فشعرت تينا للحظة أن الرجل الذي أمامها لم يعد ذلك يعقوب الذي عرفته ذات يوم وأن شيئا غامضا في داخله قد تغير دون رجعة.
كانت تينا دائما ترى نفسها كاملة لا يشوبها نقص خصوصا حين تقف في حضرة يعقوب... كانت تثق في جمالها في حضورها
كان تشاد قد وافق أخيرا على إطلاق صراحها شرط أن تعيد له أمواله خلال أربع وعشرين ساعة فقط وافق لا لأنه أراد الفراق بل لأنه كان على يقين بأنها عاجزة عن الوفاء بالشرط كأنه أراد أن يراها تنكسر أمامه تماما ولا تعرف لماذا.
وقفت أمام يعقوب تحاول أن تبدو واثقة لكنها لم تنجح في إخفاء ارتباكها وهي بصوت متردد خافت
سأبذل قصارى جهدي لأرد لك المال...
قاطعها بصوت جاف لا يحمل سوى الضجر
لا عليك ذلك فقط أخبريني كم تريدين
كانت نبرته قاسية باردة إلى حد يؤلم لم يخطر بباله من قبل أن هذه المرأة التي ظنها يوما نقية ليست سوى وجه آخر للخداع شعر باشمئزاز لم يعرف له مثيل وبسؤال يطارد عقله
لماذا اضطررت لرؤيتها في تلك الليلة في المختبر!
قالت تينا بعد لحظة صمت مرتجف
أربعة ملايين.
كان رقما يلسع كبرياءه لكنه لم يعلق فقدقرر أن ينهي هذا المشهد سريعا لذا رفع هاتفه واتصل بقسم المالية وجاء صوته حاد
ستأتي السيدة
تجمدت تينا في مكانها فهي لم تكن تتوقع سخاءه المفاجئ فهمست باسمه محاولة أن تشرح أن تلطف ما حدث
يعقوب...
لكن نظرته أوقفتها كانت عيناه تبرقان باحتقار بارد يقطع أنفاسها نظرة تسكت كل الكلمات وتقول بوضوح مؤلم
لقد انتهى أمرك يا تينا.
دخلت سكرتيرة يعقوب في تلك اللحظة بخطوات ثابتة ثم التفتت نحو تينا وقالت بلطف رسمي
تفضلي معي من فضلك.
عضت تينا شفتها السفلى بعصبية واضحة وكأنها تبتلع غصة ثم خفضت رأسها في صمت مهزوم وتبعت السكرتيرة خارج الغرفة بخطوات بطيئة تجرها الحسرة أكثر مما تقودها قدماها وما إن أغلق الباب خلفها حتى اقترب آدم من يعقوب بحذر يشوبه الفضول إذ كان يراقب سيده منذ دقائق متسائلا عن سر ذلك التحول المفاجئ في نبرته ونظراته.
قال مترددا
سيدي... هل يمكنني أن أسأل
لم يجبه يعقوب فاكتفى آدم بأن يكمل بصوت خافت
هل تشك في أن السيدة تينا... ليست هي المرأة التي كنت معها
كانت كلماته كحجر ألقي في بحيرة ساكنة بينما ظل يعقوب صامتا عيناه تلمعان ببرق خافت من الغضب والشك وكأن السؤال