رواية رهينة العرف كاملة حتى الفصل الأخير (الفصل 22) الكاتبة أسماء حميدة
الفصل 22
فك يعقوب ربطة عنقه بعصبية ظاهرة ثم أطلق زفرة باردة خرجت من صدره كأنها تحمل شيئا من الضيق والاشمئزاز. ارتسم على ملامحه توتر ثقيل وهو يستعيد في ذهنه تلك الليلة الليلة التي اختلطت فيها الملامح بالشكوك والحقائق بالنوايا الغامضة.
كانت المرأة التي التقاها آنذاك تجهل الكثير تتلمس الموقف بارتباك يشبه ارتباك من يدخل عالما لا يعرف حدوده بينما تينا على النقيض تماما كانت ذات علاقة سابقة رآها بنفسه علاقة لا يمكن وصفها بكونها لقاء عابرا أو معرفة سطحية.
قال آدم وهو يقلب دفتر ملاحظاته بنظرة قلقة
الكاميرات في تلك الليلة كانت معطلة لذا نفتقر إلى دليل حاسم. ربما حصل خطأ في تحديد الهوية. كان من الأفضل لو أنك استخدمت رمزا أو علامة يمكن الاعتماد عليها لاحقا.
ثم أضاف وهو يستعد للذهاب
سأتوجه إلى المستشفى لأتحقق مرة أخرى.
لكن صوت يعقوب من خلفه أوقفه فجأة
انتظر دع الأمر.
ساد صمت عميق كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. كان يعقوب غارقا في تفكيره يحاكم نفسه قبل أن يحاكم الآخرين.
أيعقل أن يطالب امرأة بالصفاء المطلق وهو الذي
أيمكنه أن يحملها وزر لحظة ضبابية لم يكن هو فيها أكثر وعيا منها
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة أقرب إلى الأسى وهو يهمس لنفسه
لقد توقعت ما لا ينبغي أن أفكر به أصلا.
ومع ذلك لم يعد شيء من ذلك يشغل باله الآن لا تلك الليلة ولا تلك المرأة. ما كان يؤرقه بالأمس صار اليوم رمادا بلا حرارة.
تردد آدم قبل أن يسأل بصوت خافت
هل أساءت إليك السيدة تينا يا سيدي
رفع يعقوب نظره إليه وقد خيم في عينيه ظل كثيف جعل آدم يتراجع خطوة بلا وعي ثم قال متلعثما
إن إن لم يكن هناك ما يلزمني فسأعود إلى عملي.
وما إن أغلق الباب خلفه حتى عاد الصمت ليخيم على المكتب صمت يشبه ستارا من الثلج لا يسمع خلاله سوى أنفاس يعقوب الثقيلة شيئا فشيئا تخف وتستقر.
جلس على مقعده وأسند مرفقه إلى المكتب ثم ضغط كفه على جبهته وكأنه يحاول إسكات الأفكار التي تتزاحم في رأسه. ومع مرور اللحظات بدأ توتره يتلاشى وحل مكانه تفكير هادئ أقرب إلى الاستسلام.
أقنع نفسه بأنه اتخذ القرار الصحيح لم يعد يريد نبش ما جرى في
قطع تفكيره طرق خفيف على الباب.
قال بصوته العميق
تفضلي.
دخلت السكرتيرة بخطوات ثابتة وقالت باحترام
السيدة تينا هدأت بعد أن تسلمت المبلغ يا سيدي. كما ورد اتصال من السيد ويكرز من شركة دوريم للأدوية يسأل عن موعد حضورك إلى فندق الجسر الأزرق.
رفع يعقوب رأسه فجأة كأنه تذكر شيئا مهما بعد أن كان قد غاب في زحمة الأحداث.
آه الاجتماع.
كان من المقرر أن يلتقي ب ويكرز لمناقشة مشروع دوائي واعد تطوير علاج جديد يستهدف مرض السرطان. شركة ويكرز كانت تعاني شبح الإفلاس وتفتقر إلى التمويل وقد وافق يعقوب على مقابلتهم مدفوعا بحسه الاستثماري فهو يعرف تماما أن مشروعا ناجحا كهذا قد يغير موازين السوق ويمنح صاحبه قوة ونفوذا كبيرين.
ابتسم ابتسامة خافتة تنم عن مزيج من الذكاء والطموح وقال في نفسه
ولم لا إن كانت الشركات الكبرى تنتظر فرصتها للسيطرة فلن أترك لهم الساحة وحدهم.
يعقوب جبريل لم يكن من أولئك الذين يزينون قراراتهم
أما سبب استدعائه ليان إلى هذا الاجتماع في فندق الجسر الأزرق فكان واضحا
هي طبيبة تتقن لغة البحث العلمي بينما هو يتقن لغة المال وكان كلا الجانبين ضروريا. غير أن الخطة تعطلت بسبب ما أثارته تينا من فوضى.
قال للسكرتيرة وهو يشير بيده
أعيدي ترتيب الموعد وأخبريهم أنني سأتناول الأمر بنفسي.
انحنت قليلا وقالت
حالا سيد جبريل.
وغادرت تاركة المكتب يغرق في صمت آخر صمت يليق برجل يعد خططه بعقل لا يعرف التردد.
في تلك الأثناء لم تكن ليان قد عادت إلى القصر بعد قضت يومها بين شوارع المدينة المستكينة وبيت والدتها التي بدأت تتعافى ببطء من وعكتها رغم أن الطريق أمامها ما زال طويلا.
تلقت ليان مبلغا من المال من راشد لكنها كانت تدرك في أعماقها أن المال وحده لا يبقى وأنه لا بد من عمل يعيد إليهما شيئا من الاستقرار.
نظرت إلى والدتها التي استعادت قليلا من لون وجهها وشعرت بوخزة في قلبها لقد حان الوقت لتكون هي السند الذي