رهينة العُرف كاملة الفصل 23 الكاتبة أسماء حميده
الفصل 23
على مر السنين لم تستطع ليان أن تدخر شيئا يذكر إذ كانت تنفق معظم دخلها على علاج والدتها المريضة ومع أن القدر في بعض الأحيان في الماضي قد أبعدها عن مهنتها كطبيبة فإنها لم تسمح لليأس أن يتسلل إلى روحها فاضطرت إلى العمل في وظائف أخرى لتؤمن لقمة العيش غير أن حلمها القديم أن تصبح طبيبة عسكرية ظل حيا في أعماقها مؤجلا لا ميتا ينتظر لحظة بعثه من جديد.
كانت تؤمن أنها ستعود يوما إلى الميدان الأبيض إلى ذلك المعطف الذي اشتاقت إليه كما يشتاق الطائر إلى جناحيه.
غادرت المستشفى وقد أثقلها التفكير واستقلت سيارة أجرة تعيدها إلى القصر وحين دخلت استقبلتها السيدة كاميليا بقلق ظاهر قائلة
سيدة جبريل هل تشعرين بتوعك وجهك شاحب كأن الحياة غادرت وجنتيك.
هزت ليان رأسها بابتسامة باهتة.
أنا بخير لا تقلقي.
بدلت ليان نعليها بحذاء مريح دون كعب وقبل أن تخطو نحو الدرج بادرتها السيدة كاميليا بنبرة متفاجئة
أليس لديك عمل اليوم
توقف قلب ليان لحظة وارتجف صدرها بخفقة سريعة كانت تعلم أنها كانت في نظر الجميع المرأة التي لا تهدأ طبيبة تعمل ليلا ونهارا ونادرا ما تأخذ إجازة.
ابتلعت ريقها وكتمت ما في داخلها من مرارة صامتة ثم قالت بهدوء متصنع
أخذت إجازة قصيرة... الرئيس وافق مسبقا.
كانت كاميليا تحبها كابنة وتمدها بدفء لم تجده في أي ركن من أركان القصر البارد لذلك
قالت السيدة بلطف أمومي
إجازة هذا رائع أنت تبدين نحيلة ومتعبة يجب أن ترتاحي قليلا يا عزيزتي.
ابتسمت ليان امتنانا وأومأت برأسها تخفي وراءها مزيجا من التعب والانكسار.
سأصعد لأخذ قيلولة قالت ليان بصوت خافت.
اذهبي يا ابنتي أجابت كاميليا بحنو حقيقي.
ثم صعدت ليان الدرج ببطء وفي صدرها وجع لا يرى وجمرة حلم ما زال ينتظر من ينفخ فيه الحياة من جديد.
بعد أن صعدت ليان إلى الطابق العلوي ألقت بجسدها المتعب على الأريكة محاولة أن تمنح عقلها فسحة من السكون لكن القلق لم يترك لها مجالا للراحة فمدت يدها إلى حاسوبها المحمول وبدأت تعدل سيرتها الذاتية بإصرار صامت.
كانت تعلم أن طريقها ليس مفروشا بالفرص فهي لم تعرف في حياتها مجال عمل سوى الطب ولم تمتلك خبرة في غيره ومع ذلك كانت تؤمن أن التعلم باب لا يغلق وأن الإضافة إلى ذاتها هي سبيلها الوحيد للاستمرار.
لحسن الحظ كانت تمتلك مهارات أخرى إلى جانب الطب.. مهارات لم تخترها يوما بل فرضت عليها فرضا إذ كان راشد بصلابته المعهودة يكره فكرة دراستها للطب وقد رفض أن يدفع مصاريفها الدراسية لا بخلا بل رغبة في كسر إصرارها لكنها قاومته فعملت ليلا ونهارا لتسدد أقساطها وتكمل ما بدأت.
والآن وهي تتأمل مسارها الطويل أدركت أن ما تعلمته رغم قسوته لم يذهب سدى وأن المعرفة لا تخون من
لسنوات كانت تحلم بعيادة صغيرة تخصها تداوي فيها الناس بيد مطمئنة وقلب صادق غير أن الواقع كان أكثر قسوة من الحلم فالإيجار باهظ والمعدات الطبية فوق طاقتها والدخل بالكاد يكفيها ويكفي والدتها التي تحتاج إلى رعاية دائمة كما أنها عقدت العزم على الرحيل من هذه المدينة حالما تستعيد والدتها عافيتها فوجودها في هذا المكان صار يرهقها وكل زاوية فيه تذكرها بتصرفات يعقوب الباردة وبذلك الوجه الذي جمع بين الذكاء والقسوة كأنه آلة بلا قلب.
بعد أن انتهت من إعداد سيرتها الذاتية خطر لها أن تتقدم لوظيفة في مجال الاستشارات الطبية عبر الإنترنت مستندة إلى رخصتها الطبية التي ما زالت سارية.
ابتسمت وهي تفكر
حتى وإن حاول يعقوب حرماني من العمل في الواقع هل يمكنه أن يمنعني من الظهور خلف شاشة
بحثت طويلا حتى وجدت منصة موثوقة فبدأت إجراءات التسجيل وراحت تنهمك في التفاصيل دون أن تشعر بمرور الوقت.
حين نظرت إلى الساعة كانت الشمس قد انحنت نحو الغروب وألوان المساء تتسلل عبر الستائر برفق كلمسة حنين قديم.
أغلقت ليان الحاسوب وأخذت نفسا طويلا حين نادتها السيدة كاميليا من أسفل الدرج بصوت دافئ
سيدة جبريل العشاء جاهز!
ابتسمت ليان بهدوء وكأنها تستعد لمواجهة يوم جديد ثم نهضت بخطوات واعدة نحو الطابق السفلي تحمل في داخلها شيئا من الأمل
لم يكن يعقوب معتادا على تناول
تجمدت للحظة حين لمحته يدخل بوقاره المعتاد ظنت أن عينيها تخدعانها فأعادتا النظر إليه مرتين كأنها تتأكد من واقعه لا من خيالها غير أن الدهشة ما لبثت أن انطفأت لتفسح مكانا لجمرة من الحقد اشتعلت في صدرها حين تذكرت حقارته المبطنة وهذه الليلة التي كاد فيها أن يدفع هارفي ليمسها.
انعقدت قبضتاها إلى جانبيها حتى ابيضت أناملها من شدة الغيظ لكنها أخفت ارتجافها بصمت متماسك.
قطع صوت السيدة كاميليا شرودها الحارق قائلة برقة قلقة
سيدة جبريل فيما تفكرين هيا كلي شيئا قبل أن يبرد الطعام.
أجبرت ليان نفسها على الابتسام ثم جلست إلى الطاولة متعمدة أن تترك مسافة كافية بينها وبين يعقوب وكأن الهواء بينهما يحمل شحنات خفية فهي لم تكن في وارد الدخول معه في معركة جديدة لا جدال يكسبها شيئا ولا نظرة تروي ظمأها للكرامة لذا فضلت الصمت والانحناء المؤقت على أن تظهر ضعفها.
أما هو فأساء تفسير سكونها كعادته إذ ظنها لا تزال تخجل من حادثة الملعقة في ذلك اليوم فأطلق ضحكة واهنة ثم التقط شوكته ببرود ونقرها على صحنه قبل أن يقول ساخرا
أتظنين أنك ستتفادين الخطأ هذه المرة فقط لأنك جلست بعيدا
رفع عينيه نحوها نظراته باردة فيما
بقيت هي