رواية رهينة العُرف الفصل 24 الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الفصل 24
لم تفهم ليان في بادئ الأمر مقصد يعقوب فقد كانت كلماته معلقة بين السخرية والاتهام لا تدري من أيهما يمسك بها
وحين التقت نظراتهما لثانيتين لا أكثر أدركت ما يرمي إليه لكنها كتمت ردها واكتفت بصمت مثقل بالمرارة إنه يهينها مجددا بأسلوبه البارد الذي لا يقل قسوة عن صراحته.
أطرقت برأسها وأمسكت بالشوكة تأكل بسرعة متعمدة كأنها تسابق أنفاسها تحاول إنهاء الوجبة قبل أن يلفظ هو مزيدا من كلماته المسمومة.
راقبها يعقوب بعبوس خفيف لم يستطع إخفاءه وقال بلهجة ساخرة تحمل في طياتها شيئا من الاستغراب
ما كل هذا الاستعجال لا أحد ينازعك على الطعام.
تأملها للحظة وفي ذهنه تساؤل غامض تلك الفتاة التي تلتهم طعامها بعفوية فوضوية كانت في نظره أكثر صدقا من كل النساء المتكلفات اللواتي اعتاد مصاحبتهن كانت فطرتها وإن خالطها الغضب أجمل من تصنعهن الممل.
وحين وضعت أخيرا شوكتها وشربت جرعتين من الماء رفعت رأسها نحوه بعينين تلتمعان بالضيق وقالت بحدة مكتومة
طريقتي في الأكل لا تعنيك يا سيد جبريل فاهتمامك بها لا مبرر له!
كانت ليان قد بلغت حد الانفجار فبعد أن فقدت عملها بسببه لم يعد لديها ما تخشاه أو

ما تخفيه لقد حان الوقت لترد الصاع صاعين ولو احترق كل شيء بعدها.
رفع يعقوب نظره إليها ببطء وفي ملامحه صقيع متجمد لا يشي بشيء سوى الغضب المكبوت وقال ببرود ناعم كحد السكين
يبدو أنك تشعرين بالملل أليس كذلك
وفي داخله دوت أسئلة متلاحقة
ما الذي دهاها من أين جاءت بهذه الجرأة المفاجئة
أتظن أن التباهي الفارغ سينقذها أم أنها تتعمد إثارة غضبه لتطرده هو
لكن ليان لم تتهيب نظراته بل واجهته بجمود لا يقل صلابة
نعم أشعر بالملل فاقتلني إن شئت 
هل تظن نفسك رجلا وأنت لا تعرف سوى استخدام الحيل القذرة
ارتبك يعقوب للحظة وقد بدا عليه الذهول من وقاحتها.
هل فقدت صوابك سألها بحدة مكتومة.
حاولت ليان أن تهدئ أنفاسها لكن صورة هارفي عادت تشعل صدرها كجمرة لا تنطفئ.
ضحكت بسخرية باردة ثم تلفظت باسمه لأول مرة دون أي لقب أو احترام
لا تختبرني يا يعقوب إن دفعتني إلى الجنون فسأخبر الجميع أنك زوجي وأنني خنتك أيضا! لأنك لست سوى رجل حقير وجبان!
حدق بها يعقوب بذهول ممزوج بدهشة حارقة اتسعت عيناه حتى لمعتا كشرارتين في ظلام الغرفة ثم قال بصوت خافت يقطر تهديدا
هل تدركين حقا ما الذي تقولينه الآن يا ليان
ضحكت
ليان ببرود ساخر وقد غلفت كلماته نبرتها المتحدية
طبعا! لكنني لم أعد أخافك ليس بعد أن سمحت أعلم تماما أن اللين لا يجدي معك لأنك ببساطة وحش!
في لحظة تبدل وجه يعقوب وغضبه اشتعل كبركان انفجر فجأة فاندفع نحوها بخطوات خاطفة كأنما أراد أن يسكت صوتها إلى الأبد كان السخط يشتعل في عينيه في السيطرة لا في القتل وحده.
شهقت ليان وقد انقطع الهواء عنها ومع ذلك انتزعت من بين أنفاسها المتقطعة كلمات متكسرة
هذا كل ما تجيده التسلط على النساء أيها المتنمر الوقح
ازدادت قبضته شدة واحمر وجهها حتى خالطت عيناها دموع حارقة بينما انحنى يعقوب نحوها مبتسما ابتسامة باردة كحد الخنجر وقال بنبرة مفعمة بالغرور القاسي
التنمر على النساء لا يا ليان إنما التنمر عليك وحدك.
ارتفع صدرها في محاولة يائسة لالتقاط أنفاسها فشعرت أن الهواء يتسلل إلى رئتيها بصعوبة لكن نظرتها لم تخفت بل ظلت مشتعلة بتحد عنيد وكره عميق كأنها تتحداه أن يقتلها ليثبت لنفسه أنه قادر على سحقها لا كزوج بل كجلاد.
كانت السيدة كاميليا تتابع المشهد بعينين مرتجفتين من الرعب وحين رأت أن ليان توشك على مفارقة الحياة تماسكت بصعوبة وتقدمت بخطوات مرتجفة
وهي تتوسل
سيدي جبريل... زوجتك لم تكن تعني ما قالت أرجوك دعها هذه المرة...
لكن يعقوب لم يكن ممن يلينون بالرجاء بل زاد تصلبه حين وجد من يتجرأ على الدفاع عن ضحيته كان يود أن يرى إلى أي مدى قد تذهب تلك المرأة في عنادها وإلى أي عمق يمكن أن تنحدر فيه بشجاعتها أو حقدها.
صرخت السيدة كاميليا وقد تملكها الاضطراب
توسلي إليه يا سيدتي جبريل... قولي شيئا طيبا فالسيد جبريل ليس رجلا شريرا...
لكن ليان وقد أنهكها الألم آثرت أن تواجه الموت بتهكم ساخر فارتسمت على شفتيها ابتسامة ازدراء والتفتت نحوه قائلة بنبرة
تحمل مزيجا من الغيظ والاستهزاء
ليس شريرا بل هو فقط... يخجل لأن ذاك الرجل الحقير لم ينجح في الوصول إلى غرضه!
ارتبك يعقوب فجأة وانعكس في عينيه بريق شك خاطف ثم قال ببطء متجهم
أي رجل
كان السؤال كخيط رفيع من الإدراك بدأ يتسلل إلى عقله فأرخى قبضته قليلا عن عنقها لتشهق ليان بحادة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة ثم تابعت بصوت متهدج
ألم تكن أنت من أغواني بالذهاب إلى الجسر الأزرق... حتى يظفر بي صديقك!
ضاقت عينا يعقوب كأن نارا اشتعلت خلفهما وارتجف صدره كمن يتلقى طعنة في رئتيه فاحمر وجهه فجأة وتقطعت
أنفاسه وهو يتمتم بصوت متكسر
ماذا... فعل!

تم نسخ الرابط