روايه انتقام الوريثة كاملة الفصل 30 الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الفصل 30

حين عاد **جاستن** إلى قصر **تيدفيو** كان مظهره أشبه برجلٍ خرج للتوّ من نهرٍ هائج؛ ثيابه مبللة وشعره تتقاطر منه المياه كأنما خاض عاصفة لا رحمة فيها.

أسرعت **ويلما** نحوه تحمل منشفة بين يديها لتجفيفه غير أنّه دفع يدها بهدوءٍ صامت وتابع صعوده إلى الطابق العلوي وملامحه تشتعل غضبًا وكبرياءً مجروحًا.

نظرت **ويلما** بقلقٍ إلى **إيان** وسألته بصوتٍ متوتر:

"ما الذي حدث؟ من الذي أغضبه إلى هذا الحد؟"

أجابها إيان بنبرةٍ يغلب عليها الأسى:

"لو كنتِ متفرغة الآن، لذهبتِ لتواسي السيد **سلفادور**… لقد خُدع."

شهقت ويلما بدهشةٍ لا تصدّق:

"خُدع؟! لكنه من أذكى الرجال! كيف يقع فريسةً لعملية احتيال؟! هل اتصلت بالشرطة؟ يجب الإبلاغ فورًا!"

هزّ **إيان** رأسه نافيًا وعيناه تلمعان بشيءٍ من المرارة:

"لا جدوى من ذلك… القضية أعقد مما تظنين… الشرطة لن تنفع… السيد سلفادور وجد أخيرًا من يساويه دهاءً."

تمتمت ويلما بحزم:
"لطالما حذرته وطلبت منه تحميل تطبيقٍ لمكافحة الاحتيال، لكنه لم يُصغِ إليّ. وها هو اليوم يدفع ثمن ثقته الزائدة."

ساد صمتٌ قصير، ثم تمتم إيان في نفسه:
"ربما يفضّل السيد سلفادور أن يُخدع… أتمنى على الأقل أن تبقى ثقته بنفسه سليمة."

كان **جاستن** في تلك اللحظة يصعد الدرج بخطواتٍ بطيئة… وجهه شاحبٌ

حتى كاد يُخيَّل للناظر أنه أحد مصاصي الدماء الخارجين من الأساطير.

وقبل أن يبلغ الطابق العلوي اقتربت منه إحدى الخادمات وقالت باحترامٍ خافت:

"سيدي **جاستن** الآنسة **روز** بانتظارك… والرئيس يطلب حضورك إلى المكتب."
 

شدّ **جاستن** شفتيه في خطٍّ مستقيم كأنما يخشى أن تفلت منه كلمة واحدة ثم مضى نحو مكتب **جريجوري** بخطواتٍ يكسوها الثقل وما إن وقع بصر **روزاليند** عليه حتى تهادى صوتها بنغمةٍ مصطنعةٍ من الفرح وهي تهتف:

"جاستن! لقد عدت أخيرًا!"

ثم هرعت نحوه تحتضنه كما لو كانت تستقبل منقذًا طال انتظاره غير أنّ **جاستن** ظلّ واقفًا كتمثالٍ من صخر لم يبادلها العناق ولم ترفّ على وجهه شفقة… باهت الملامح، شارد النظرات… يُخفي خلف سكونه مرارةً لا يُدركها إلا هو فقد شعر وهو يراها أن صدره امتلأ غصّة، كأنّ بينه وبينها جدارًا لا يُرى.

سأل **جريجوري** بصوته الرصين:

"جاستن، كيف سارت الأمور؟ هل التقيتِ بالسيدة تومسون؟"

كان **جريجوري** منشغلًا بأمورٍ جسام غير أنّ إلحاح **شانون** المستمرّ جعله يزجّ **جاستن** في هذه المسألة الصغيرة ظنًّا منه أنها مجرّد شأنٍ عابر.

لكن **شانون** لم تُفوّت الفرصة فأمسكت بذراع زوجها بنبرةٍ مموّهةٍ بين الغضب والدهاء، وقالت:

"سيحمي جاستن عائلة روز بلا شك، فهو

يُحبها! إن تحدّث مع السيدة تومسون شخصيًا سيتجاوزون ما حدث… نحن شركة كبيرة ولن يسمح آل تومسون بإهانتنا!"

كانت كلماتها تبدو دفاعًا عن **جاستن** لكنها في الحقيقة خيوط خفية تنسجها حوله لتجعل منه دائمًا درعًا تتلقى به سهام الفشل… لقد كانت هذه حيلتها القديمة التي مارستها ببراعةٍ على مدى عشرين عامًا — تُثني عليه علنًا لتزرع في قلب **جريجوري** توقعاتٍ مستحيلة ثم تتركه يسقط في فخّ اللوم حين يعجز عن بلوغها.

رفع **جاستن** رأسه ببطء وعيناه تغشاهما طبقةٌ من الجليد:

"أبي، عمّتي شانون… أرى أن نتوقف عن مساعدة شركة **غولد كوربوريشن**."

تجمّد وجه **جريجوري** وبدت الدهشة عليه كصفعة:

"ماذا تقصد؟"

قالها **جاستن** بهدوءٍ قاطع:

"أقصد أنني من الآن لن أتدخل في شؤون عائلة غولد مجددًا."

ثم استدار مغادرًا دون أن يمنح أحدًا التفاتة

بقي **جريجوري** و**شانون** و**روزاليند** واقفين في أماكنهم تتجمّد ملامحهم بين الدهشة والغضب.

قالت **شانون** بقلقٍ متصاعد وقد بدأت ابتسامتها المتكلّفة تتلاشى:

"جريج… هل يمزح **جاستن**؟"

لم يُجب **جريجوري** غير أنّ وجهه ازداد عبوسًا كأنّ سحابةً داكنة حجبت ملامحه كلها.

في تلك الأثناء كان **جاستن** قد عاد إلى غرفته وثيابه لا تزال مبللة يقطر الماء من أطرافها لكنه لم يُبدِ

رغبة في تبديلها أو حتى في الاستحمام إذ كان ذهنه غارقًا في فكرةٍ واحدة لا تُفارقه: **كيف تمكّنت بيلا تومسون من خداعه؟**

ترددت الكلمات في رأسه بإصرارٍ موجع:

*"بيلا تومسون… لماذا رفضتِ لقائي؟ أكنتِ خجولة؟ أم تظنين أنني لا أستحق وقتك؟"*

ما لبث أن انقطعت أفكاره بصوت **روزاليند** وهي تقتحم الغرفة تتبعه بخطواتٍ مسرعة وعيناها تبرقان بذعرٍ واضح:

"جاستن! لماذا؟ لماذا لا تريد مساعدتنا؟!"
أمسكت بذراعه بكلتا يديها وصوتها يرتجف بين الخوف والغضب:

"لقد أُلغيت جميع طلباتنا! المستودعات ممتلئة والعمال ينتظرون رواتبهم… إذا استمر هذا الحال، سنُفلس!"

كانت لهجتها هذه المرّة خالية من التكلّف المعتاد؛ لم تعد تُفكر في المظاهر بل في إنقاذ مصالح عائلتها فحسب.

أجابها **جاستن** بصوتٍ مبحوحٍ أنهكه التعب:

"الوقت تأخّر… سأطلب من **إيان** أن يُوصلكِ إلى المنزل."

لكنها لم تستسلم بل اقتربت منه أكثر قائلةً برجاءٍ حاد:
"جاستن، ما الذي غيّر رأيك؟ أيمكنك أن تخبرني من فضلك؟"

لم يُجب… كان مرهقًا بعد يومٍ طويل ولم يجد في نفسه رغبة في الحديث… ثم ماذا عساه يقول؟ هل يُخبرها أن شقيقها هو السبب في سقوطه؟ أنه استغل ثقته حتى أوصله إلى الهاوية؟

وبينما كان يحاول كبح أفكاره انتفض فجأة وارتسمت على وجهه ملامح الدهشة — **الصندوق الذي كان يحتوي على بدلته

اختفى!**

أزاح يد **روزاليند** بعنف وبدأ يفتّش أرجاء الغرفة بعصبيةٍ ظاهرة قبل أن يصرخ:

"ويلماااا!"

هرعت الخادمة مذعورة:

"نعم سيدي؟"

سألها بقلقٍ واضح:

"أين البدلة التي كانت على طاولة السرير؟!"

أجابت وهي تتلعثم:

"لم ألمسها يا سيدي… لقد أوصيتني بنفسك ألا أقترب من الأشياء التي أعطتك إيّاها السيدة الشابة أثناء تنظيف الغرفة."

تم نسخ الرابط