رواية انتقام الوريثة كاملة الفصول الفصل 31 الكاتبة أسماء حميده
الفصل 31
قالت **ويلما** بنبرةٍ حذرة تحاول أن تُخفي بين كلماتها اتهامٍ واضح:
"حين دخلت السيدة **روزاليند** غرفتك اليوم يا سيدي نبهتُها تحديدًا ألا تمسّ الصندوق الموضوع بجانب السرير لأنك تُقدّره كثيرًا."
ثم التفتت إليها بنظرةٍ فاحصةٍ لم تخلُ من معنى فرأت على وجه **روزاليند** علامات الارتباك والانزعاج تتسلل ببطءٍ إلى ملامحها.
كانت **ويلما** تعرف تمامًا كيف تختار كلماتها إذ نادت **آنا** أمام **روزاليند** بـ "السيدة الشابة" عمداً لتُشعل في قلب الأخيرة شرارة الغيظ وتدفعها إلى البوح بالحقيقة.
قالت **روزاليند** بعصبيةٍ نفد معها صبرها:
"لقد رميتُ هذا الصندوق بعيدًا!"
رفع **جاستن** عينيه نحوها وصوته غارقٌ في الظلال:
"وأين رميتِه؟"
أجابت بعينين دامعتين تحاول استدرار عطفه:
"جاستن، لماذا تهتم كثيرًا بما تركته لك **آنا**؟ لقد انتهى أمركما وأنت الآن خطيبي! لماذا ما زلت تحتفظ بأشيائها؟ ألا تفكر في مشاعري؟"
كانت دموعها تنساب كما لو كانت مدرّبة على ذلك — تمامًا كما علّمتها عمتها… بكاءٌ محسوب التوقيت يُستخدم ساعة الحاجة فقط.
هدر جاستن وهو يكرر سؤاله ببرودٍ كالسيف:
"أين رميتِه؟"
تجمدت **روزاليند** مكانها كأن نبرة صوته جمدت دمها في عروقها ثم همست في ارتباك:
"في سلة المهملات… في الفناء الخلفي."
لم ينتظر منها أكثر بل انطلق مسرعًا تحت المطر يشمر أكمام قميصه الأبيض وبدأ يقلب النفايات بعزمٍ صامت يبحث عن الصندوق المفقود كما لو كان يبحث عن جزءٍ من قلبه.
صرخت روزاليندا
"جاستن! كفى! إنه قذر!"
توقف لحظة وترددت الكلمة في ذهنه: *قذر؟*
لم يكن أحد في عائلة **سلفادور** يعرف ما تعنيه تلك الكلمة حقًا له.
فحين كان في الخامسة من عمره كابن غير شرعي لعائلة سلفادور لم يكن يعرف سوى الشوارع مأوى وصناديق القمامة مصدر رزقٍ له هو ووالدته… كان يجوب الأزقة مع والدته ويبحث في أكوامٍ لا تُحصى من صناديق القمامة بحثًا عن لقمة العيش… كل ذلك من أجل جمع بعض قصاصات الكرتون وعلب الألومنيوم التي يُمكن استبدالها بالمال… هناك في زوايا مكبات النفايات تعلم أن الكرامة لا تُقاس بالنظافة وأن النجاة أقدس من المظاهر.
لذلك لم يرَ في القذارة ما يدعوه للنفور بل كانت جزءًا من ماضيه من حقيقته التي لا يخجل منها.
واصل البحث حتى التقط الصندوق أخيرًا… كان مبتلًا وملطخًا بالطين ومع ذلك زفر أنفاسه براحةٍ عميقة وكأنه عثر على كنزٍ مفقود.
في تلك اللحظة هرعت **ويلما** نحوه تحمل مظلةً لتحميه من المطر.
فتح **جاستن** الصندوق بيدين مرتجفتين تتملكهما رهبة وخوف لكن ما إن رفع الغطاء حتى تحولت عيناه إلى لون الدم واشتد وجهه قتامةً حتى كاد لا يُعرف.
فما بداخله لم يكن البدلة النظيفة المكوية بعناية بل بقاياها الممزقة — أشلاء قماشٍ مُهترئ لا تكاد تُذكّر بما كانت عليه يومًا.
لقد حُطّم ما بداخل الصندوق كما حُطّم ما تبقّى في داخله من هدوء.
التفت جاستن ببطء نحو روزاليند فتراجعت خطوة إلى الوراء وقد ارتجفت أنفاسها من الخوف كانت نظراته الباردة الغامضة كفيلة
صرخت روزاليندا فجأة:
ــ "جاستن! هل ما زلت تُحب آنا؟ هل تندم على طلاقها؟!"
ثم اندفعت نحوه تعانقه من الخلف بقوةٍ وعناد تحاول انتزاع إجابة من بين أنفاسه.
تردد لحظة ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ من الغضب المكبوت:
ــ "لا."
كانت الكلمة كالسيف قصيرة قاطعة لكن الإحباط في عينيه كان يقول أكثر مما لفظه لسانه.
قالت روزاليند بعصبية:
ــ "لكن من الواضح أنك غاضب مني! لمجرد أنني تخلصت مما أعطتك إياه آنا؟! هل فكرت في مشاعري أنا؟ كلما رأيتُ تلك الأشياء تذكّرتُ السنوات الثلاث التي قضيتماها معًا! ألا يحقّ لي أن أغضب؟ ماذا عليّ أن أفعل لتكون راضيًا؟!"
ابتعد جاستن خطوة يدفعها عنه برفقٍ لكنه كان كمن يبعد عبئًا عن صدره ثم قال بحدةٍ مكتومة:
ــ "لقد شرعت في تطليقها بالفعل واخترت الزواج منكِ حتى رغم معارضة جدي… لكنك تجاوزتِ كل الحدود... تخلّصتِ من أغراضها، مزّقتِ الثياب التي صنعتها يدوياً واستغللتِ الإعلام لتشويه سمعتها وادّعيتِ أنها كانت الطرف الثالث بيننا… لقد أُهينت علنًا واختفت من حياتي ومع ذلك ما زلتِ ترفضين تركها وشأنها! كفى يا روزاليند!"
تجمّدت في مكانها وكأن ماءً مثلجًا انسكب فوق رأسها… لم تصدّق أن جاستن كان يعلم بكل شيء.
قالت بصوتٍ مرتجف كاذب:
ــ "أتظن أنني أردتُ فعل ذلك؟! فعلتُه لأنني أحبك يا جاستن!"
أغمض جاستن عينيه لحظة ثم قال بنبرةٍ باردة حاسمة:
ــ "في المرات القادمة أخبريني بما يضايقك بدلًا من التلاعب بالآخرين… يمكنني
ثم غادر دون أن يلتفت.
وقفت روزاليند تحدّق في ظهرها وهي تعضّ شفتها غيظًا وملامحها تتلوّى بالحقد… وهمست من بين أسنانها:
ــ "سأجعلها تدفع الثمن... آنا لن تنجو هذه المرة."
على الجانب الآخر من المدينة جلست **بيلا** و**ستيفن** قرب النافذة الزجاجية الواسعة التي تمتد من الأرض إلى السقف يتأملان المطر وهو ينهمر في هدوءٍ جميل بينما يتصاعد بخار المشروب الساخن من الكأسين بين أيديهما.
كانت نغمات الأوبرا المفضلة لبيلا تنساب من مشغّل الأسطوانات فتملأ المكان بجوٍ من الفخامة والسكينة المريبة.
قطع ستيفن الصمت قائلاً:
ــ "آنسة بيلا لقد اتصلت بي النادلة قبل قليل... قالت إن جاستن أمسك بها وهي تستقل سيارة أجرة بعد انتهاء عملها الليلة أظن أنه أدرك أنها لم تكن سوى بديلة."
وضع ستيفن كأسه جانبًا بهدوء ثم نظر إلى بيلا كان يعلم أن قدميها أنهكهما ارتداء الكعب العالي طوال اليوم فانحنى على ركبةٍ واحدة ورفع قدميها برفقٍ على راحتيه وبدأ يدلكهما بإتقانٍ وصبرٍ كما اعتاد.
قالت بيلا بنبرةٍ هادئة تحمل في طياتها شيئًا من السخرية:
ــ "كنت أعلم أنه سيكتشف الحقيقة عاجلًا أم آجلًا لكن لم أتوقع أن يحدث ذلك بهذه السرعة."
أغمضت عينيها تستمتع بلمساته المريحة ولوّت أصابع قدميها بخفةٍ وهي تتنفس بعمق ثم تابعت بنبرةٍ يكسوها مكرٌ أنيق:
ــ "بعد أن ننتهي من عائلة غولد سيحين دور عائلة
ارتسمت على شفتيها ابتسامة تسلية بينما كانت قطرات المطر ترتطم بالزجاج كأنها تصفق لخطتها القادمة.