رواية انتقام الوريثة كاملة حتي الفصل الأخير 32 الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الفصل 32

غادرت **روزاليند** الغرفة وهي تذرف دموعًا مصطنعة كعادتها في كل مرة تزور فيها القصر؛ تبكي قليلًا وتغادر كأنها بطلة في مسرحية هزلية… لم تكن الخادمات يطقنها فقد اعتدن على تمثيلها المتقن وتباكيها المتكرر.

جلس **جاستن** متصلّبًا على الأريكة يحملق في بقايا البدلة الممزقة لا يصدق ما تراه عيناه كأن الشرخ في القماش شرخٌ في روحه.

دخلت **ويلما** بخطواتٍ هادئة وهي تحمل كوبًا من الحليب الدافئ وقالت بصوتٍ مشفق:

ــ "يا سيد جاستن لقد تأخر الوقت... اشرب هذا الحليب قبل أن تنام."

لكن ما إن وقع بصرها على البدلة الممزقة حتى أطلقت تنهيدةً طويلة وقالت بأسىٍ خافتٍ يحمل في طياته معنى آخر:

ــ "يا للأسف!"

قال جاستن بنبرةٍ متعبة وهو لا يرفع عينيه:

ــ "ويلما في المرة القادمة التي تأتي فيها روزاليند إلى هنا راقبيها جيدًا… لا أريدها أن تدخل غرفتي ولا مكتبي... بل ولا غرفة آنا أيضًا."

هزّت **ويلما** رأسها بإصرار:

ــ "لا تقلق يا سيدي الشاب سأفعل بالتأكيد… ولحسن الحظ أنني أغلقت باب السيدة الشابة اليوم، وإلا لتسللت إليه أيضًا وألقت أغراضها في القمامة كما فعلت بالصندوق."

قال جاستن بصوتٍ خافتٍ كمن يحاول تبرير

خطأ لا يغتفر:

ــ "لا تكوني قاسية يا ويلما… روزاليند ليست سيئة النية... على الأقل أنا مدين لها بما مضى من ثلاث سنوات بيننا وهي تنتظرني."

رفعت **ويلما** حاجبيها في حدةٍ لم تخفِها:

ــ "وماذا عن السيدة الشابة؟ ما الذنب الذي ارتكبته آنا؟ لقد طلقتها لكن ألا يوجعك قلبك لأجلها؟"

تصلّبت ملامح جاستن ثم قال بفتورٍ واضح:

ــ "لقد أجبرني جدي على الزواج منها… لم تكن مضطرة لقبول الزواج إن لم ترد ذلك."

رمقته ويلما بنظرةٍ حادة وقالت:

ــ "أتقصد أنها جلبت لنفسها ما حدث؟"

ضغط جاستن شفتيه بصمتٍ مُثقلٍ بالكبرياء كأن الكلام أصبح عبئًا عليه ومن ثم قال أخيرًا وهو يتنهد:

ــ "اذهبي الآن يا ويلما ونامي باكرًا… لا أريد إزعاجك."

غادرت ويلما الغرفة بوجهٍ متجهّم حاملةً معها كوب الحليب دون أن تتركه له.

تبعها جاستن بنظراتٍ متعجبة ثم همس وهو يرفع حاجبيه في دهشةٍ خافتة:

ــ "هل هي غاضبة مني؟ كنت أنوي شرب الحليب فعلًا... تُرى متى تمكّنت آنا من استمالتها إلى صفّها؟ يا لها من امرأةٍ ماكرة!"

عادت **روزاليند** إلى منزلها تجرّ خلفها خيبة ثقيلة وحرجًا لا تستطيع إخفاءه…  خطواتها بطيئة كأنها تحمل على كتفيها ثِقل العالم بأسره فهي

تدرك تمامًا أنّ عائلة **غولد** لولا دعم **عائلة سلفادور** لانهارت منذ زمن ولما استطاعت أن تُبقي لنفسها موطئ قدم بين الأسر الثرية ومع ذلك لم تكن تعلم إلى متى سيستمر هذا التوازن الهشّ بعد موقف جاستن الأخير.

سألها **زيك** بانفعال وهو يرمي منفضة السجائر على الأرض فتحطّمت إلى شظايا:

ــ "ما الذي يقصده جاستن بكل هذا؟! يتشدّق بالحب علنًا ثم يتراجع في الخفاء! ألهذه الدرجة يظنّنا لعبة بيده؟!"

كان الغضب يتأجّج في عينيه حتى احمرّتا كالجمر.

تمتمت **روزاليند** بصوتٍ متهدّج وهي تحاول الدفاع عن نفسها وعن كبريائها الجريح:

ــ "جاستن يحبني... لقد طلق آنا من أجلي."
ثم غلبتها دموعها فبكت بحرقةٍ متكلفة كمن يريد إقناع نفسه قبل الآخرين.

ضحك زيك بسخرية مريرة وقال:

ــ "بل هو رجلٌ يحسب كل شيءٍ بالعقل لا بالقلب! أنتِ من عائلة غولد صاحبة النفوذ والمال، أما تلك آنا؟ فتاة ريفية بلهاء لا تملك شيئًا! أيّ رجلٍ عاقلٍ سيختارك أنتِ دون تردد!"

رغم أن كلماته كانت تأييدًا واضحًا لها، شعرت **روزاليند** بإهانةٍ خفيّة تتسلل بين حروفه؛ وكأنها سلعة فاخرة لا أكثر.

تقدّم والدها بخطواتٍ متوترة وسأل بقلقٍ لا يخلو من الريبة:

ــ

"روز، ما الذي حدث بالضبط؟ لماذا غيّر السيد سلفادور رأيه فجأة؟"

"لا أدري أيضًا…لقد زار جاستن السيدة تومسون اليوم، وعند عودته تبدّل موقفه وامتنع عن التدخل في شؤوننا… أبي، زيك، هل فعلتما شيئًا ما سراً واكتشفه جاستن؟ يبدو أنه يحمل حقدًا علينا…"

انقلب وجه زيك فجأةً وكأنه تذكّر شيئًا مهمًا فقال باندهاش:

"يا إلهي! هل يمكن أن يكون السبب زوجته السابقة آنا؟"

ارتجفت روزاليند حين سمعت اسم آنا تتسائل بغل:

-ماذا حدث يا زاك؟

أجاب زيك وهو يستعيد المشهد بوضوح:

"قبل أيام كنت في حانة عائلة هوفمان التي افتُتحت مؤخرًا وصادفت تلك المرأة المزعجة التي تريد لفت الانتباه بينما ظهر جاستن فجأة وأنقذها وطلب مني أن أعتذر لها! ما هذا بحقِّ السماء؟"

تملّك الغضب من روزاليند فور سماع القصة؛ واحترقت الغيرة في صدرها وهي تهمس في نفسها بغيظٍ:

*كنت أعلم! جاستن يكنّ مشاعر لتلك الحقيرة… هذا ما خشيته أكثر من أي شيء… لا لن أسمح لآنا بأن تعود إليه.*

طمأنت أم روزاليند ابنتها بنبرةٍ باردة العقل:

"طالما روز سترتبط بالسيد سلفادور وتصبح في موقع النفوذ داخل الشركة فلن يكون هناك ما يخيفنا."

ثم أضافت ببرودٍ حسابي:

"الانطباع الذي خلّفه هذا الموقف

أمام العامة مفيد لنا؛ وسيمنحنا ذريعةً للبحث عن كبش فداء."

"كبش فداء؟" تردّد صوت روزاليندا باستغراب.

ابتسم زيك ابتسامةً خبيثة وقال:

"إنها المرشّحة الأنسب."
 

تم نسخ الرابط