رواية انتقام الوريثة مكتملة الفصل 36 الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الفصل 36

ما إن أنهى جاستن جملته حتى دوّى صراخٌ قادم من داخل المطعم فارتجف رايان وأدرك على الفور ما نسيه — لقد ترك رفيقته وحدها مع آنا وكأنّه ترك عود ثقابٍ بجوار برميل بارود.

قال متوترًا وهو يرفع صوته فوق الضوضاء:

"يا رجل لا أستطيع التحدث الآن! على أي حال لن أتمكن من الحضور اليوم، أراك غدًا!"

كان على وشك إنهاء المكالمة لكن صوت جاستن الحادّ اخترق أذنه فجأة:

"ريان هوفمان، أين أنت بالضبط؟"

وقبل أن يتمكن من الرد جاء صراخٌ آخر أشدُّ حدةً من الأول جعل الدم يتجمد في عروقه فقال بسرعة وهو يهمّ بالركض:

"مطعم فندق **KS World**!"

ثم أغلق الهاتف وعاد مسرعًا نحو المطعم كأن النار قد اشتعلت خلفه.

فتح **رايان** الباب فإذا به يتلقّى صدمة من المشهد بداخله: طليقة **جاستن** قد أمسكت بشعر رفيقته وأمطرتها بضرباتها جاذبة رأسها تسحقه أسفل كف يمينها على الطاولة وذراعها مقبوضة إلى الخلف فلا تقدر رفيقته على الحركة.

تجهم وجه رايان للحظة وارتسمت في ذهنه صورة سينمائية عن محقِّقة تلقي القبض على مجرمٍ بأسلوبٍ فجّ لكن سرعان ما تبدد أي شعور مجازي أمام واقعٍ أكثر خطورة ولكنه مسلي للغاية… أولى مخاوفه كانت على الشكل العام **بيلا**، فلو استمر اعتداءها على الأخرى لكان الأمر أخطر.

مع ذلك ظلّ موقفه

هادئًا بينما صاحت رفيقة رايان وهي تتلوى من الألم والاحتقان ووجهها محمرٌّ من أثر الاحتكاك بالطاولة:

«سأقاضيكِ! سأجعلكِ لا تجرؤين على الظهور في سافرو!»

بينما هتفت بيلا وقد اشتدت نبرة غضبها:

«اطلبي الإسعاف الآن، إن لم تظهري آثار الضربة لن تتمكني من مقاضاتي!»

لم تُظهِر **بيلا** على وجهها إلا رباطةً إذ بقيت صامدةً ولو أن ضربتها كانت لتكسر جمجة الآخرى وحين لمحت المتهاجمة رايان يقترب صرخت مستنجدة:

«سيد هوفمان… أرجوك ساعدني!»

اقترب رايان وسحب **بيلا** نحو منطقة آمنة وقال بهدوءٍ حاسمٍ: «هل اكتفيتِ بيلا… كفى.» بدا مضطرًا لاحتواء الموقف أكثر منه متحمسًا للمعركة — فالسبب الأبرز لتوقيفه كان أن المعتدى عليها هي زوجة **جاستن** السابقة؛ لو انتشر الخبر لأحرج **جاستن** بشدّة.

صاحت رفيقة رايان بحنقٍ أكثر ماسكةً بشعرها المبعثر: «ماذا تقصد بكلمة «كفى»؟ هذه المرأة ضربتني! عليك أن تطالب بالعدالة لي!»

جلست **بيلا** بهدوءٍ على الكرسي ومن ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى في حركةٍ اتسمت بثقةٍ أنيقة ثم رفعت عينيها نحو المرأة البائسة أمامها تحدّق فيها كما يُحملق المرء في قردٍ يثير الشفقة.

تأمّل **رايان** المشهد بعينٍ لم تخفِ إعجابها وقد عانقت نظراته ساقيها الطويلتين المنسابتين كأنهما

سطران من الشعر ثم تسللت بعفوية إلى تفاصيلها الرقيقة وأناقتها الصامتة قبل أن يتمتم في سرّه بإعجابٍ مشوبٍ بالدهشة: *“يا للجمال… كيف يمكن لإنسانة أن تكون بهذا الكمال؟ لقد وقعتُ في حبها بلا رجعة.”*

أدار وجهه نحو رفيقته وقال بنبرةٍ حاسمة:

"أنا متأكد أنكِ استفززتِ السيدة براون حتى فقدت أعصابها، أليس كذلك؟ اعتذري"

احمرّ وجه المرأة غضبًا وقالت بصوتٍ مرتجف:

"لماذا عليّ الاعتذار؟! لماذا؟!"

ابتسم رايان ابتسامةً باردة وقال بلهجةٍ الواثق:

"لأنها لا تحبني وأعتقد أنك تفعلين وأنت من اشتعلت بك الغيرة وهي لا تبادلك هذا الشعور… طبيعي إذًا أن تكوني أنت البادئة لا السيدة براون."

رفعت بيلا حاجبيها بدهشةٍ خافتة متعجّبةً من منطقه الغريب الذي لا يخلو من صدقٍ صريح على عكس **جاستن** الذي كان يُخفي مشاعره خلف أقنعةٍ من التوازن.

صرخت رفيقته فجأة وقد انهمرت دموعها:

"كيف تفعل بي هذا يا سيد هوفمان؟ أنا حبيبتك!"

اندفعت نحوه محاولةً معانقته غير أنّه تراجع بخطوةٍ باردة فتعثّرت وكادت تسقط ومن ثم قال ببرودٍ قاتل:

"حبيبتي؟ ومتى وافقتُ على هذا اللقب؟"

تجمّدت المرأة في مكانها فنظراته الباردة كانت كصفعةٍ ثانيةٍ أسوأ من الأولى.

قال رايان أخيرًا بنبرةٍ قاطعة:

"بعد أن تعتذري غادري فورًا… لا أريد رؤيتك ثانيةً.

"

الجميع في **سافرو** كان يعرف طبع رايان المتقلب — رجلٌ قد يلين حين يصفو مزاجه لكنه إن غضب لا يتردد في إحراق العالم من حوله.

ارتجفت شفتا مرافقته وقالت وهي تبتلع دموعها:

"أنا... آسفة!"

ثم غطّت وجهها بكفيها وهرعت خارجةً بخطواتٍ مرتبكة يكسوها الحزن والمهانة.

قال رايان بابتسامةٍ رائعة وهو يحني رأسه قليلًا:

"أعتذر سيدة براون."

تبدّل صوته ونبرته كليًا وكأنّ الغضب الذي اشتعل فيه منذ لحظات لم يكن سوى دخانٍ تلاشى في الهواء.

ابتسمت بيلا ابتسامةً خافتة وقالت بهدوءٍ رزين:

"سيد هوفمان ألم تطلب منها أيضًا أن تعتذر لي؟ إذن نحن الآن متعادلان."

ثم ألقت نظرةً سريعة على ساعتها وقالت وهي تنهض بخفّة:

"عذرًا، حان وقت عودتي إلى العمل… تفضل بالبقاء سيد هوفمان."

كانت كلماتها مؤدبة لكن نبرتها حملت مسافةً واضحة لا يمكن تجاوزها.

رمقها رايان بعينٍ فاحصة وما إن وقعت أنظاره على معصمها حتى تجمّد لوهلة… تلك الساعة اللامعة — **ريتشارد ميل** أصلية… إصدار محدود لا يملكه سوى قلّة من الأثرياء حول العالم!

تساءل في نفسه بدهشة:

*كم كان آشر كريمًا معها! بل محبًّا إلى درجةٍ لا تُصدَّق.*
ومع ذلك لم يتّضح له أكثر من كونها ترتدي ساعةً تفوق قيمتها أجر عامٍ كامل بينما تعمل بيديها في وظيفةٍ مرهقة.

أكانت تدرك

قيمتها فعلًا؟ أم أنها ما زالت تلك الفتاة الريفية البسيطة التي لا تعبأ بالكماليات؟

استدار نحوها بخفةٍ وهو يلحق بخطاها خارج المطعم قائلًا:

"آنسة براون، متى ينتهي دوامك؟ أودّ أن أُرافقك هذا المساء."

تم نسخ الرابط