رواية عشق لا يضاهى كاملة جميع الفصول للكاتبة أسماء حميدة (من الفصل السادس حتى الفصل العاشر)
قد اجتاحت الفوضى المكان وأصوات الطلقات ترددت كصدى مۏت محتم وشادية ڼزفت ڼزفت حتى خارت قواها وحالما تم نقلها هي وطارق الذي أصيب أيضا إلى أقرب مشفى تبين أن بنك الډم الخاص بالمستشفى حينها كان يعاني نقصا حادا في فصيلة الډم O ووسط ذلك المشهد المحتدم لم يكن هناك سوى سيرين
لم تتردد سيرين للحظة بل تبرعت پدمها لكليهما اللذان وبمحض الصدفة كانا يمتلكان نفس فصيلة ډمها دون أن تنتظر شكرا لكنها دفعت الثمن غاليا ف بعد أن تيقنت أن طارق بخير سقطت مغشيا عليها إذ زحف الإرهاق لينهش جسدها الهزيل بعد ما استنزفته من دماء لإنقاذ حياة من جعلوها عدوة لهما دون سبب يذكر فقط كونها سيرين الصماء
في ذلك الوقت كانت دينا مدينة بالكثير لعائلة نصران التي احتضنتها في لحظة ضعفها وانتشلتها تلك الأسرة من الفقر والجوع بعد أن تعهدوا برعايتها ك فرد من العائلة
لذلك سعت دينا بكل جهدها للبقاء في السجل الذهبي لسيرين وأن تكون بصفها بل وتكسب ودها أيضا وحين سمعت بأن سيرين في طريحة الفراش بإحدى غرف المشفى عقب فعلها البطولي مع شادية وطارق لم تتردد في الذهاب إلى هناك لتجد نفسها شاهدة على حدث غير متوقع سيرين التي ظنتها مجرد فتاة عابرة قد ضحت دون تفكير
لإنقاذ طارق وشادية
لكن وكأن القدر كان ينسج خيوط لعبة أكثر تعقيدا إذ جرت سلسلة من سوء الفهم المشؤوم لترتدي دينا ثوب البطولة دون قصد أو ربما بقصد دفين لم ولن تعترف به
وهكذا استيقظت سيرين في المشفى على وقع إشادة الجميع بدينا باعتبارها منقذتها
ومنذ ذلك الحين ترسخ في ذهن دينا يقين لم تهزه أي شكوك إن كان هناك امرأة واحدة تستحق الزواج من ظافر فهي بلا شك أجل هي
ألم تكن هي المنقذ في نظر الجميع بعد أن طوعت لها الظروف ألم تكن اليد التي امتدت في أحلك اللحظات بمحض صدفة منحها لها الحظ كيف يمكن لأي رجل ألا يرى ذلك
لكنها لم تكن تعلم أن اللعبة لا تحسم بالرغبات وحدها إنها شادية تلك المرأة التي تحرك الخيوط من خلف الستار وبالطبع كان لديها سيناريو آخر
فبالرغم من أن شادية كانت تدرك تماما أن سيرين تعاني من مشكلة في السمع إلا أنها لم تتردد لحظة في اقتراح تحالف زواج مع عائلة تهامي ك خطوة محكمة لتعزيز نفوذ ظافر ولتحصين مستقبل العائلة بمزيد من القوة والسلطة
وهكذا وجدت دينا نفسها خارج الحسابات تتأمل رقعة الشطرنج من بعيد بعدما أسقطت من اللعبة قبل أن تبدأ
الآن وبعدما رفض ظافر أي ارتباط بسيرين وامتنع عن إنجاب الأطفال رغم مرور ثلاث سنوات على زواجهما بدأت شادية تخفض سقف طموحاتها وصارت تبحث عن حلول بديلة حتى وافقت أخيرا على أن تلتقي دينا بظافر
أخبرتها شادية بوضوح أن الأمر كله مرهون بحملها فإذا نجحت في ذلك فبإمكانها الزواج منه والانضمام إلى عائلة نصران
جلس ظافر في مكانه وملامحه غارقة في صقيع من البرود ثم تساءل بنبرة لم تخل من التوجس
من هو الشخص الذي وجدته سيرين
تذكر ظافر تلك الليلة عندما اتصل بها وجاءه صوت سيرين على الطرف الآخر من الهاتف واضحا صلدا كحجر صوان
لن أتزوج أي شخص مقابل ثلاثمائة مليون دولار
رفض ظافر أن يصدق أن كل المشاعر التي كانت تبثها له سيرين عبر السنين لم تكن سوى تمثيل خدعة بارعة أتقنت أداءها إذ كانت عيناها تتحدثان بصدق دائما أو هكذا ظن
على الجانب الآخر كانت دينا تتردد هل تصارحه بالحقيقة هل تخبره أن سيرين مجبرة على الزواج من رجل عجوز كانت تدرك أن كشفها لهذا السر قد يشعل نيران العطف في قلبه ويقلب الطاولة رأسا على عقب
لكن ظافر وكأنه شعر بترددها فقطع عليها الطريق بتحذير صريح
طالما لا تعلمين من هو فلا تذكري هذا الأمر مجددا أبدا
تجمدت ملامح دينا للحظة ثم اكتفت بإيماءة خاڤتة ك خضوع صامت لا يخلو من الاضطراب
أما ظافر فقد ظل ذهنه مشرذما وكأن صخب الأفكار في رأسه تحول إلى ضجيج لا ينقطع فقد قضى بقية يومه غارقا في شروده يتساءل في أعماقه
هل حقا كانت سيرين مجرد كڈبة جميلة
في قبضة الليل بين الحياة والمۏت
كانت الغرفة تضج بصوت أجهزة العناية المركزة أنفاسها المرهقة تتردد عبر قناع الأكسجين كأنها تتشبث ببقايا الهواء الأخير هنالك كانت سيرين بجسد واهن وروح مثقلة تستلقي في جناح العناية المركزة بالمشفى تحارب غيبوبة قاتمة حاولت أن تبتلعها فلولا سرعة كارم في نقلها إلى المستشفى لربما كانت ستعبر إلى الضفة الأخرى بلا رجعة نعم فقد أنقذها باللحظة الأخيرة وانتزعها من فكي المۏت
وحين استعادت سيرين وعيها وقعت عيناها على فاطمة التي جلست جوارها كتمثال هش دموعها تنساب في صمت كأنها نهر بلا نهاية
شعرت سيرين بوخزة في قلبها وامتدت يدها المرتعشة لتربت على كف فاطمة المتشنج وهمست بصوت متقطع بالكاد يسمع
هذا لا يؤلم لا تبكي
لكنها كانت تكذب كل شيء كان موجعا الألم الذي في صدرها والثقل الذي أثقل روحها والندم الذي ينهشها في صمت
لطالما كانت خجولة ضعيفة تلجأ إلى الهروب بدلا من المواجهة اختيارها لحبوب النوم لم يكن إلا انعكاسا لجبنها المزمن لكنها الآن ترى فاطمة أمامها امرأة اڼهارت سنوات عمرها دفعة واحدة وكأن الزمن قد عبرها فجأة ونقش على وجهها خطوطا من الألم
شعرت سيرين بالعاړ كونها خذلتها كما خذلت نفسها
ضغطت فاطمة على يد سيرين بشدة كأنها تتوسلها أن تبقى وأن تتعلق بالحياة ولو بأطراف أصابعها كانت عيناها دامعتين لكن في صوتهما بقايا صلابة
سيرين استمعي إلي تحسني وعيشي حياة جيدة من الآن فصاعدا حسنا
لكن كيف تعدها بذلك كيف تعد بحياة لا تزال تجهل إن كانت ترغب بها
خارج الغرفة في ممر المشفى البارد كان كارم يقف أمام أحد الأطباء عيناه مثقلتان بأرق الأيام الماضية
وبالكاد استطاع الطبيب أن ينطق ببضعة كلمات تبدو عادية ولكنها سقطت كصاعقة
سيدي أجرينا فحصا آخر بعد الجراحة ولكننا اكتشفنا شيئا ما إنها حامل منذ أسبوعين
في تلك اللحظة لم يكن المۏت هو المفاجأة الوحيدة
انتظرونا ومزيد من الأحداث المشوقة لمعرفة مواعيد النشر يرجى الانضمام إلى جروبنا المتواضع روايات عالمية بنكهة عربية أو متابعة صفحتي روايات أسماء حميدة
الفصل العاشر
العواء خلف النافذة... وصمت بالداخل
كانت الرياح تعصف بالخارج كأنها كائن جريح ينوح في ليل بلا نجوم بينما استقرت يد سيرين النحيلة الشاحبة على بطنها وكأنها تحاول احتواء صدمة تجتاحها من الداخل.
عيناها كانتا خاويتين تائهتين في فراغ لا قاع له وكأن روحها انسلت منها وتركت جسدها مجرد هيكل فارغ.
قبل لحظات أخبرها كارم بما اكتشفه الطبيب إنها حامل.
لم تشعر بالسعادة لم تهتز روحها بفرحة الأمومة القادمة بل اجتاحها إحساس قاتم كغيمة ثقيلة أسدلت ستائرها فوق شمس حياتها.
الحمل جاء في توقيت لا يمكن أن يكون أسوأ من هذا وكأن القدر يسخر منها ويسلبها حق الاختيار بل ويدفعها نحو مسار لم تكن مستعدة لخوضه.
على الجانب الآخر من الغرفة كانت فاطمة تراقبها بصمت تقرأ في ملامحها المنطفئة كل شيء تفهم دون أن تسأل... أدركت أن هذا ليس مجرد حزن عابر بل غرق في دوامة سوداء لا مخرج منها.
عندها اتخذت فاطمة قرارا مفاجئا قرارا لن تتراجع عنه.
سيرين...
احتاجت
نعم فاطمة
اقتربت فاطمة منها وعيناها الحمراوان تنطقان پألم صامت بينما رفعت يدها المرتجفة لتزيح خصلة متمردة عن صدغي سيرين.
في تلك اللحظة كان الزمن متوقفا بينهما مجرد ومضات من الحنين والحزن والندم.
قالت فاطمة بصوت اختنق بالدموع
سيرين لطالما كنت ابنتي حتى وإن لم تلدك أرحامي... ما أتمناه لك قبل أي شيء هو الحياة... ليس المال ولا الثراء بل الحياة أنفاسك وجودك... كيف أستطيع العيش وأنا أراك تتوقين للمۏت
لم تدرك سيرين مغزى كلماتها إلا عندما رأت يد فاطمة تطبق على سکين الفاكهة.
اتسعت عيناها وتجمد الډم في عروقها.
فاطمة ماذا تفعلين
لكن فاطمة لم تجب وكأنها في عالم آخر. كانت شفتيها تتمتمان باعتراف مرير
لقد ربيتك حتى بلغت العاشرة ثم... ثم تركتك. كل شيء حدث لك كان بسببي. حان الوقت لأكفر عن خطئي... أمام السيد تهامي!
ثم ودون لحظة تردد غرزت فاطمة السکين
صړخة مكتومة خرجت من حلق سيرين صړخة لم تحمل سوى العجز والخۏف كمحاولة يائسة منها لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه.
فاطمة... لااااااا!
لكن فاطمة لم تتوقف...
انهمرت دموع سيرين بغزارة كأنها أمطار أيلول الحزينة تسيل على وجنتيها بحړقة مذيبة قناع الصلابة الذي حاولت ارتداؤه طويلا.... نظرت سيرين إلى معصم فاطمة حيث تبرجت الچروح الحمراء ... شهقت مرتجفة وكأن صدى أنفاسها يتهدج بين الخۏف والرجاء تقول باستجداء
لن أفعل شيئا أحمق بعد الآن! فاطمة.. أرجوك توقفي...
ما إن انطلقت الكلمات من شفتيها حتى توقف جنون فاطمة التي رمقتها بعينين متورمتين محتقنتين بالدموع والڠضب ثم همست بصوت
أجش يحمل بين نبراته استغاثة أخيرة
سيرين... لقد أديت دورك وأكثر! لم تعودي مدينة لا لسارة ولا لظافر! لقد دفعت الثمن.. ولم يبق لك سوى الحياة! عيشي من أجلي.. ومن أجل الطفل الذي يكبر في رحمك!
تجمدت سيرين لحظة وكأن الزمن توقف كان صوت فاطمة يخترق جدران روحها ليعيد ترتيب الفوضى التي عبثت بها لسنوات.
صمتت سيرين لبرهة وهي تنظر إلى السماء عبر النافذة إلى تلك المساحة الرمادية الشاحبة وقررت أخيرا أن تحيا.. ليس من أجل أحد بل من أجلها هي ومن أجل كيان صغير ينمو في أحشائها يستحق أن يولد في عالم أقل قسۏة.
منذ تلك اللحظة توقفت عن أن تكون ابنة لسارة أو شقيقة لتامر... مقرة بأنه لم يعد يربطها بهما شيء سوى ماض اختارت أن تحرقه كصفحات كتاب قديم امتلأ بالحبر الأسود... كانت فاطمة وطفلها المنتظر هما العائلة الوحيدة التي ستبدأ بها من جديد.
لكن فاطمة ورغم انتصارها في إقناع سيرين لم تكن ترغب أن يتم هذا القرار بتلك الطريقة القاسېة. لم تكن تريد أن تضطر إلى چرح نفسها لتبرهن لها أن الحياة أثمن من أن تبدد في تسديد ديون الآخرين لكنها فعلت لأنها أرادت لسيرين أن تحيا لا أن تذوى في ظلال من لا يستحقونها... ففي النهاية لا أحد يختار العائلة التي ولد فيها لكن بوسعه أن يختار العائلة التي ينتمي إليها.
أما سارة لا تستحق ابنة گ سيرين... ما نوع الأم التي تنظر إلى ابنتها كدين يجب تسديده!
لاحقا حين كانت سيرين لا تزال في المستشفى علمت من كارم أن سارة هربت إلى الخارج كما لو كانت طريدة تهرب من ماضيها. لكنها لم تشعر بالحزن حيالها ولا حتى بالڠضب... لم تعد سارة شيئا في حياتها لقد انتهت ديونها منذ زمن تماما كما انتهى ظافر من حياتها.
لكن كان هناك أمر أكثر إلحاحا يطاردها.. حملها.
لم
بعد ثلاثة أيام من الرقود بين جدران المستشفى الباردة حيث كان المۏت يغازلها من بعيد كتب لسيرين عمر جديد... وقد نجت أخيرا وكأن القدر منحها فرصة أخرى رغم أن روحها كانت لا تزال مثقلة بما حدث.
وعندما أعلن عن تسريحها طلبت سيرين من فاطمة أن تسبقها إلى الريف مصممة على مواجهة ظافر أولا وتسوية الأمور العالقة بينهما قبل أن تلحق بها فهي لم تكن مستعدة للهرب أو الاختباء بعد الآن كان عليها أن تواجه عاصفة حياتها حتى وإن كانت الرياح عاتية.
في اليوم
ذاته وبينما كانت تستعد لمغادرة المشفى خطت أقدام طارق عتبات المكان إذ أن هذا المشفى كان مملوكا لعائلة طارق وجده هو من حثه للقدوم إلى هنا لذا لم يكن طارق قد أتى هنا من أجلها بل ليستكشف أروقة الإدارة الطبية ساعيا إلى فهم دهاليزها وإتقان إدارتها. لكن القدركعادتهلديه خططه الخاصة.
عندما وقعت عينا طارق على سيرين كانت تقف إلى جوار رجل آخر... إنه كارم.
للحظة تجمد طارق في مكانه وقد شعر وكأن الزمن قد التف حول عنقه كحبل مشدود.
سيرين! لكنها اختفت! تمتم لنفسه غير مصدق لما تراه عيناه.
قبل ثلاثة أيام في الخامس عشر من مايو كان من المفترض أن تنهي سيرين
إجراءات طلاقها من ظافر. لكن في ذلك اليوم قد تبخرت وكأن الأرض ابتلعتها ولم يعثر لها على أي أثر وكذلك لم يسمع عنها شيء.
تسلل الفضول والقلق إلى عقل طارق فاقترب من إحدى الممرضات الكبار وسألها بصوت حمل بين نبراته الشك والدهشة
لماذا هي هنا لماذا سيرين في المشفى
لم يكن مدير المستشفى بعيدا عن الموقف وقد لاحظ القلق الذي بدأ يتسلل إلى ملامح طارق... وبإيماءة سريعة أمر المدير أحد موظفيه بالبحث في سجلات المرضى عن أي معلومات تتعلق بسيرين.
مرت ثلاثون دقيقة كأنها دهر قبل أن يعود الموظف حاملا بين يديه ملفا ثقيلا... تسلم طارق الوثائق وما إن بدأ في قراءتها حتى تجمدت ملامحه.
كان عقله ېصرخ بالدهشة وعيناه تسبحان بين السطور غير قادرتين على استيعاب الحقيقة التي انكشفت أمامه.
سيرين لم تختف يوم الخامس عشر من مايو... بل حاولت إنهاء حياتها!
تناولت كمية من الحبوب المنومة راغبة في إغلاق هذا الفصل من حياتها إلى الأبد... لكن القدر مرة أخرى أبى أن يستجيب لرغبتها... غير أن الصدمة الحقيقية في ذلك الخبر الذي جعل قلبه يخفق پعنف غير مألوف...
كانت حاملا.
ازدحمت الأسئلة في رأسه كزحام مدينة صاخبة عند الغروب. كيف متى ولماذا
رفع عينيه ببطء وسأل الموظف بنبرة حادة
هل أنت متأكد من كونها حامل! كيف وقد كان ظافر كان على وشك تطليق سيرين تهامي
أومأ الموظف بالإيجاب مؤكدا المعلومة فازدادت تعابير طارق برودة وتصلب فكه بينما يستعيد في ذهنه صورة الرجل الغريب الذي رأه برفقتها لحظة خروجها من المستشفى.
شعور مبهم بدأ يتسلل إلى صدره شيء أشبه بشك قاتم تساؤل لم يجد له إجابة بعد
هل ذلك الطفل ينتمي لظافر حقا أم أن للقصة وجها آخر لم يكشف بعد
لم يكن طارق متأكدا مما إذا كان عليه إخبار ظافر أم لا. كيف يمكنه أن يزج بهذه القنبلة وسط حياة ټنهار بالفعل
وفي النهاية قرر أن يتصل بدينا ليطلعها على ما اكتشفه. دينا... المرأة التي أنقذت حياته ذات يوم كما يعتقد
الجميع جاهلين الحقيقة الخفية التي طمستها دينا فقد كان طارق يشعر بالولاء المطلق لدينا التي لم يعد لها أحد في هذا العالم سواه .
في وجهة نظر طارق