رواية عشق لا يضاهي كاملة جميع الأجزاء للكاتبة أسماء حميدة الفصل الحادي عشر حتى الفصل الخامس عشر

لمحة نيوز

بالمشهد الأخير باب يغلق في وجهه بقرار صارم لا رجعة فيه.
كانت تلك أول مرة ترفض فيها سيرين الخضوع لأوامر ظافر... كان هو من اعتاد معاملتها بلامبالاة.
هز ماهر رأسه بعدم تصديق فمن كان يتوقع أن يأتي اليوم الذي تنقلب فيه الأدوار وهل تجرأت سيرين حقا على التخلي عن إرضائه
كان واضحا أنها تدرك جيدا أن ماهر سينقل له ما جرى لحظة أن تطأ قدماه عتبة القصر... ومع ذلك لم ترتبك ولم تخش العواقب.
جلست سيرين على الأريكة ثم أراحت ظهرها مطلقة زفرة هادئة كمن يستعد لمواجهة العاصفة القادمة.
في ذلك اليوم زأرت الرياح الهائجة وارتطمت بالنوافذ كأنها كائنات غاضبة تبحث عن مأوى.
بينما في الداخل كانت سيرين مستلقية على الأريكة تلتف حول نفسها بحثا عن الدفء رغم أن الصيف كان في بداياته لكن البرد الذي شعرت به لم يكن متعلقا بالمواسم بل بشيء أعمق أكثر تسللا أكثر قسوة. 
مر الوقت بلا ملامح... بلا إحساس... 
وكأن عقارب الزمن قد تحللت في سكون شرودها لا تطرق باب وعيها ولا تترك أثرا في إدراكها... لم تكن تعلم كم مضى وهي غارقة في غياهب فكرها تتلاشى في متاهة أفكارها كقطرة حبر تذوب في ماء راكد... حتى انطلق جرس الباب كان رنينه حاد جاف كحد يخترق السكون القاتم. 
في البداية لم تنتبه أو ربما رفض وعيها الاستجابة... لكن الرنين عاد متكررا أكثر إلحاحا كأنه يوقظها من سبات عميق.
نهضت ببطء دون استعجال كأنها كانت تعرف من يقف بالخارج. لم تحتاج إلى النظر عبر العين السحرية ولا حتى أن تتخيله يكفيها أن تشعر بثقله يتسلل عبر الباب قبل أن تراه. 
وحين فتحته ارتفع نظرها تلقائيا كما لو أن عينيها اعتادتا على البحث عنه بين الوجوه.
أجل ظافر... 
أنه هو بقامته الفارعة وهيبته التي اعتادت أن تجعلها تبدو أصغر أضعف... لكن هذه المرة لم يكن مجرد حضور طاغ بل جدار من الجليد... نظراته قاسية ثابتة بلا شرخ بلا تسامح. 
قبل أن تنطق متناثرة كأوراق خريفية سقطت من شجرة ملعونة تتطاير حول قدميها كأشباح من ماض لم تكن تعلم أنه يراقب. 
كنت أظن أنك ستخرجين من هذا الزواج 
صوته كان جامدا خاليا من أي انفعال لكنه حمل في طياته قسوة أشد من الغضب. 
تجمدت
أنفاسها في حلقها وانحنى بصرها نحو الصور المتناثرة وجوه أماكن ظلال لكن الأهم كان كارم. 
رفعت رأسها إليه بحثت عن شيء عن منفذ لتفسير الأمر لكنه لم يمنحها الفرصة.
قاطعها ظافر بكلمات حادة نثرها كالسهام 
ظننت أنه مجرد سوء تفاهم أردت أن أصدق أنك بريئة... بل فكرت في إعطائك فرصة أخرى للبدء من جديد. 
كان صوته ثابتا لا يرتجف لكن في عمقه كان هناك شيء يتكسر شيء مجروح شيء غاضب. ومع ذلك لم تجد في نفسها القوة لتبرر لتدافع. شيء ما فيها كان قد انتهى قبل هذه اللحظة قبل أن تنطق الكلمات.
استقرت مرارة في حلقها ومن ثم سحبت أنفاسها ببطء وقالت بصوت أجش متحشرج 
حقا إذن آسفة لإحباطك. 
لم تكن كلماتها مجرد رد كأنها رمت السلاح أمامه وأعلنت استسلامها. لكنه لم يكن استسلاما بل احتقارا لصراع لم يعد يعني لها شيئا. 
توقعت أن ينفجر أن ينفث غضبه أن يصرخ لكنه لم يفعل بل بقى صامتا يرمقها بنظرة جامدة لا تفصح عن شيء. 
عندها فقط قررت إنهاء المشهد بإحكام وبرود دون عودة 
فلنتطلق إذن. قالتها ببساطة وكأنها تلقي بحجر في ماء راكد. ثم أضافت بملامح ثابتة 
أنا آسفة لأني لم أحضر في ذلك اليوم لن يتكرر الأمر.
لم يكن هذا ما تخيله لم يكن هذا ما انتظره... كان يتوقع مقاومة توسلا أي شيء سوى هذه اللامبالاة القاتلة التي أوقدت نيرانا جامحة بداخله.
تخلى عن ثباته فجأة وهو يتقدم نحوها خطوة واحدة لكنها كانت كافية لتجبرها على التراجع 
قال بصوت اجتاحه السخط كأنه يلفظ لعناته 
سقطت كلماته عليها 
لم تجد صوتا يخرج منها فقط رمقته بعينين مذعورتين كأنها أمام رجل غريب لم تعرفه يوما.
ملامحه تبدلت وأصبح وجهه محض قناع يخفي خلفه شيئا أفظع. 
تمتم بذهول ما هذا لكن صوته تلاشى حالما قاطعته صرختها التي انفجرت في وجهه كبركان كان منذ زمن 
اهتز للحظة ارتبك لكنه سرعان ما استعاد جموحه.
حدق في وجهها في عينيها المحمرتين اللتين جمعتا بين غضب مشتعل وانكسار حارق.
حاولت أن تدفعه بعيدا لكنها كانت ضعيفة أضعف مما يجب كورقة يابسة كأن الريح وحدها قادرة على تمزيقها. 
وفي الخارج كان المطر يشتد يقرع النوافذ بعنف كمن
يبكي عن أحدهم 
الفصل 14
لم تكن تعلم إن كان الخوف هو من خذلها أحبته بما وهبها الله فقط ترغب في أن يشعر بها... فقط يشعر.
لكن سيرين لم تستطع سوى أن تتحرك بحذر لتحيط بطنها بذراعيها كمن يحمي ما تبقى من قلبه المتهالك.
مرت الثواني ببطء كأنها دهور حتى توقف ظافر أخيرا كان صوته المتقطع يثقل الهواء بينهما.
لا تجعليني أغضب سيرين. قالها بأنفاس متلاحقة كمن يحاول السيطرة على غضب كامن تحت جلده. 
لم تستوعب كلماته كانت نظراتها ضائعة فارغة وكأنها تبحث عن إجابة في فراغ الغرفة.
همست بصوت متحشرج 
ماذا تعتقد أنك تفعل الآن 
وما إن لفظت كلماتها حتى اختبأت تدفن رأسها بالوسادة خلفها تغرق وجهها في نسيجها كمن تأمل في أن يبتلعها القماش ويخفيها عن هذا الواقع.
لم يلحظ ذلك الجاحد شحوب ملامحها لم ير ارتجاف أصابعها. 
لطالما اعتقدت سيرين أن ظافر قد يكون قاسيا بارد القلب لكنه كان وفيا وفيا لحبه على الأقل... أما الآن فلم تر فيه إلا رجلا لا يطاق شخصا يثير اشمئزازها. 
حدق فيها ظافر بعينين تضيقان غضبا ثم ألقى كلماته بسخرية 
ازداد وجهها بهوتا حتى كادت ملامحها تذوب تحت وطأة الذهول لكن ظافر لم يكن من أولئك الذين يدفنون نيران غضبهم تحت رماد الصمت لم يكن رجلا يعرف كيف يكبح سخطه خاصة حين تكون الواقفة أمامه هي سيرين. 
ترك كلماته تتسلل بينهما كأصفاد غير مرئية تلتف حولها تضاف إلى أغلالها الثقيلة تزيدها انكسارا فوق انكسار. 
تردد صدى صوته داخلها كصفعة خفية فيما راحت أذناها تطنان وكأنهما تعترضان على كل ما يحدث.
لحظات وشعرت بجسدها ينهار هناك شيء ما ينفلت منها يتدفق بصمت تحتها لكن عقلها كان مشوشا إلى حد يمنعها من استيعاب التفاصيل. 
وقبل أن يدير ظافر ظهره ليغادر تسللت كلماتها المرتعشة من بين شفتيها كاعتراف خجول أو ربما كسؤال لم يكن له مكان في هذا المشهد البارد 
السيد نصران... هل ستحزن إذا مت 
توقف للحظة كأن السؤال أضحكه أكثر مما فاجأه لكنه لم يمنحها إجابة بل ألقى أمره الأخير وكأنه يلقي بحكم لا رجعة فيه 
انتقلي إلى قصري غدا. 
لم تتمكن من استيعاب كلماته أو ربما لم يكن لديها القوة
الكافية للرد. 
لم يكن ظافر ليعلم ما جرى بعد مغادرته لم يكن ليسمع النبضات المرتبكة التي تسللت إلى الشارع في صورة صفارة إسعاف تخترق جدران المبنى الذي تقطنه سيرين معلنة أن الليل لن ينتهي بهدوء.
في صباح اليوم التالي كانت سيرين مستلقية على سريرها في المستشفى وملامح الإرهاق بينما كان كارم يجلس إلى جوارها يراقب أنفاسها المتلاحقة بعينين مثقلتين بالقلق.
لم يكن يفكر إلا في شيء واحد
ماذا لو لم تصل إلى المستشفى في الوقت المناسب كانت ستفقد طفلها... وربما كانت ستفقد نفسها أيضا. 
تسلل إلى روحها يقين صارم كأنه وحي من الألم بأن هذه الحادثة لم تكن سوى ناقوس أخير يدق في رأسها... لقد حان وقت ترك ظافر... ليس هناك مجال للتردد أو التأجيل فحياتها لم تعد تحتمل المزيد من الانهيارات. 
رن هاتفها بنغمة الإشعار كأن صوته جاء ليقتحم لحظة التأمل الثقيلة فمدت يدها بتكاسل والتقطته وما إن وقعت عيناها على اسم المرسل حتى تسارعت نبضاتها.
إنها رسالة من سارة... التي اختفت تماما بعد هروبها إلى الخارج. 
سيرين! بما أنك لا تزالين على قيد الحياة ساعدي أخاك... اذهبي لتسوية الأمور مع السيد خليل... سنكون ممتنين للغاية. 
تجمدت أناملها فوق الشاشة قبل أن تومض عيناها بوهج بارد.
بلا تردد ضغطت أناملها على زر الحذف... فلا مكان للعودة ولا مجال للاستغلال مجددا... سارة وتامر لن ييأسا سيواصلان دفعها نحو الحافة وسيستنزفانها حتى آخر قطرة ولكنها هذه المرة لن تكون طعما سهلا... فقد انتهى زمن الاستسلام. 
عاود رن صوت الإشعار في هاتفها مرة أخرى فانقبض قلبها قبل أن تلقي نظرة خاطفة على الشاشة.
إنها رسالة جديدة لكن هذه المرة من شادية... ترددت سيرين للحظة ثم تنفست بعمق وفتحتها. 
سيرين يجب أن تعرفي كم يكرهك ظافر... السبب الوحيد الذي يمنعه من تطليقك هو أنه يريدك أن تتعذبي! أرجوك اختفي من هذا العالم... أتوسل إليك! 
شعرت سيرين بغصة في حلقها وكأن الكلمات التفت حول عنقها كأفعى خبيثة شهقت دون أن تشعر فارتعشت أطرافها وسقط الهاتف من بين يديها على الطاولة بصوت مكتوم. 
في هذه اللحظة دخل كارم ومن ثم لمح الهاتف الملقى فوقع بصره
على نص الرسالة التي ما زالت الشاشة تشع بها.
تلبدت ملامح كارم وعقد حاجبيه
تم نسخ الرابط