روايه عشق لا يضاهي أسماء حميده كاملة جميع الفصول (من الفصل السادس والثلاثون إلى الفصل الأربعون)
المحتويات
تفوقه حجما كأنها صندوق أسراره يتقدم خلفها بلا استعجال كمن يثق من أن طريدته لن تفلت من قبضته.
لكن كان هناك شيء غريب نظرات الناس إليها حملت نوعا من النفور الممزوج بالاستغراب وهمسات تخرج من بين شفاههم كنصل بارد يمر على عنقها دون أن يمسها ومن بينهم من ردد
كيف تسمح تلك المرأة لطفلها بحمل حقيبة بهذا الحجم!
وآخرون
تصرف لا يغتفر إنها أم غير مسؤولة!
وسيدة رمقتها باستنكار وأردفت
يا للأسف طفلها أحق منها برعاية أفضل!
________________________________________
عقدت كوثر حاجبيها في ارتباك وهي تتساءل
أي طفل عن أي أم يتحدثون
لم تدرك الخطأ إلا عندما تسرب إلى مسامعها صوت ناعم لكنه ذو نبرة حازمة كمن يلقن درسا لا يحتمل الجدال
أمي لا يجب عليك التحدث على الهاتف أثناء المشي عليك أن تكوني أكثر حذرا.
تصلبت أطرافها للحظة وكأن الزمن توقف في عروقها. أمي متى أصبحت أما!
استدارت بسرعة فوقع بصرها على صاحب الحقيبة العملاقة بدا كطفل أو هكذا أراد أن يبدو.
كانت عيناه تلمعان من خلف القناع تتراقصان كحدقتي ذئب يختبئ في صوف حمل وديع.
في هذه اللحظة أرادت أن تصرخ أن تلعنه علنا أمام الجميع لكن ما نفع ذلك الآن وحتى إن فعلت سيزيد ذلك الأمر سوءا.
جل ما كان يهمها هو إن علمت سيرين بأن زكريا كان يلاحقها سرا فستفقد صوابها بلا شك.
لم يكن الحشد مدركا لما يجري لكن الصوت الذي انساب من زكريا كقطرة عسل تنزلق على حافة كأس جعل قلوبهم تذوب تعاطفا.
فهمهموا بأعين تقطر عجبا
طفل ناضج وذكي... ليت ابني مثله.
فأعلنت إحداهن بصوت جمهوري يفيض غيظا
لكن والدته... آه من المؤسف أن تكون لديه أم لا تكترث بمسؤوليتها.
شعرت كوثر بحرارة الڠضب تزحف إلى وجنتيها لكن قبل أن تنبس بحرف قاطعها زكريا بنبرة خبير يبيع قصصا مستعارة للحشود
لا تلوموا أمي إنها تعمل بجد لتوفر لنا حياة كريمة.
بلمح البصر تحولت نظرات الاشمئزاز إلى نظرات إشفاق فاعتذرت واحدة منهن تقول بمؤازرة
يا
احتقن وجه كوثر حتى كاد ينفجر فقبضت على يد زكريا بقوة ورفعته عن الأرض تحتويه بين ذراعيها وسحبت حقيبته باليد الأخرى تتسلل عبر الجموع بسرعة كمن يهرب من سجن دون أن يثير الريبة.
وحين باتا في ركن أكثر هدوءا وضعت الحقيبة أرضا وهي تلهث ثم حدقت في زكريا بعينين تقدحان شررا تنهره بغيظ
متى تبعتني! هل تعلم سيرين أنك هنا!
على عكسها بدا زكريا هادئا بل شبه مستمتع ومن ثم رمقها بابتسامة جانبية قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه محمل بسخرية خفية
كوكي عليك أن تكوني أكثر حذرا حين تكونين وحدك بالخارج لقد تبعتك منذ البداية ولم تلحظيني حتى الآن هذا ضعف فادح في إدراك الخطړ.
لم تستطع تمالك نفسها فمدت يدها وقرصت وجنته من خلال القناع ثم قالت
كف عن المراوغة وأجبني!
ضحك وعيناه تنحنيان في مكر واضح.
خمني.
في تلك اللحظة أدركت كوثر أن هذا الطفل ليس إلا ذئبا يعتمر قناع البراءة بمهارة فسألته باستسلام
إذن... ماذا سنفعل الآن
أمال رأسه قليلا ونظر إليها بعينين تملؤهما البراءة المصطنعة
تسألينني أنا! أنا طفل لم يكمل عامه الرابع بعد...
ابتلعت كوثر غيظها وهي تدرك أن هذه الليلة ستكون طويلة جدا...
عشق لا يضاهى تمصير أسماء حميدة لمتابعة مواعيد نشر الرواية يرجى الانضمام إلى جروبنا المتواضع روايات عالمية بنكهة عربية أو متابعة صفحتي الشخصية روايات أسماء حميدة
الفصل 39
نظرت كوثر إلى زكريا بعينين تضيقان بدهشة لم تكن تخفي لمسة من الڠضب وقالت بصوت يقطر توبيخا
أنت لست مجرد طفل صغير... بل مشاغب بالفطرة وكأن الشغب يسري في عروقك مثل دمك!
ارتسمت على شفاه زكريا ابتسامة جانبية ثم ربت على كتف كوثر بخفة وكأنه بلمسته يحاول تهدئة العاصفة التي اشتعلت في عينيها ومن ثم قال بنبرة أقرب إلى التصالح
بما أننا هنا فلنتقبل الأمر كواقع سأعترف بخطئي لأمي عندما نصل إليها... لكن حتى ذلك الحين فلنحاول التأقلم.
تنهدت
حدقت فيه للحظة قبل أن تقول بصرامة يشوبها القلق
ابق هنا وتصرف كما يجب سأهاتف سيرين... وإلا فستقضي جدتك فاطمة ليلتها غارقة في القلق عليك.
لكن زكريا وكعادته كان لديه رد جاهز قذفه بلامبالاة طفولية ممزوجة بثقة من يعرف أن كل شيء تحت السيطرة
لا تقلقي تركت لها رسالة أخبرتها فيها أنني معك.
رفعت كوثر حاجبيها بدهشة لكنها لم تجد ما تقوله فكيف يمكن لصبي في مثل عمره أن يكون بهذا الدهاء
تنفست بعمق ثم أخرجت هاتفها واتصلت بسيرين.
في تلك اللحظة كانت سيرين تجلس على شرفة منزلها تحتضن كوب ماء دافئ بين راحتيها كأنها تستمد منه دفئا لم يصلها من الجو حين رن هاتفها فنظرت إلى شاشته ثم أجابت بابتسامة تلقائية
كوكي!
لكن كوثر لم تبادلها تلك الحماسة المعتادة بل ألقت نظرة سريعة على زكريا وكأنها تحاول أن تستمد منه شجاعة غير موجودة ثم قالت بصوت يحمل بين طياته اعترافا مذنبا
ساسو... كنت أريد أن أفاجئك لكن...
تجعد جبين سيرين بقلق
ما الأمر
بلعت كوثر ريقها ثم قالت على عجالة كأنها تحاول التخلص من الجملة قبل أن تزنها سيرين بعقلها
أنا في المدينة وصلت الآن إلى المطار... لكن زكريا تبعني إلى هنا.
في اللحظة التالية شعرت سيرين بأن قلبها قد تخطى نبضه وبدأ في القرع بشكل غير منتظم فوضعت الكوب على الطاولة وانتصبت في جلستها كأن صاعقة قد ضړبتها.
كوثر لم تضف كلمة أخرى فقط دفعت الهاتف إلى زكريا تاركة له مسؤولية شرح ما حدث.
أخذ زكريا الهاتف وبصوت يحمل خليطا من الجد والرجاء قال
أمي لا تلومي كوكي أنا من اشتريت التذكرة سرا وتبعتها..
وفي الجهة الأخرى كانت سيرين تحاول
________________________________________
أن تستوعب... أن تفهم كيف تجرأ ابنها على شيء كهذا لكن وسط كل ذلك لم تستطع أن تمنع قلبها من الشعور بوخزة دافئة... مزيج غريب بين الحب والقلق والڠضب كأن المشاعر الثلاثة اشتبكت في معركة لا رابح فيها.
لقد عرفت سيرين دائما أن زكريا ذكي لكنها لم تتوقع أبدا أن يكون جريئا بما يكفي للذهاب إلى المطار بمفرده.
زاك! هل نسيت ما قلته لك
لم يجب زكريا بل سأل بدلا من ذلك
لكن يا أمي لقد افتقدتك وكنت قلقا عليك هل كنت مخطئا كوني أحبك لهذه الدرجة!
على الجانب الآخر كانت كوثر تتابع المشهد بصمت إلى أن قررت أن تتدخل قبل أن يتفاقم الأمر فجلست القرفصاء ملتقطة الهاتف من يد زكريا بحذر ثم قالت بنبرة مطمئنة
سيرين لا تقلقي... فكرت في الأمر جيدا زاك سيبقى معي الآن ولن أدع ظافر يعرف بوجوده.
في تلك اللحظة كان هذا هو الحل الوحيد إذ لم يكن هناك متسع للرفض ولا بديل للجدال وقبل أن تغلق سيرين الهاتف اتفقتا على اللقاء في أحد المطاعم.
تنفست كوثر الصعداء ثم نظرت إلى زكريا بنظرة لم تخل من العجز
هيا بنا.
خرج الاثنان من المطار وكان السائق بانتظارهما عند المدخل بسيارة سوداء لامعة كأنها قطعة من الليل انزلقت على الأرض وحالما استقر زكريا في المقعد حتى انطلقت نظراته الفضولية تراقب الطريق من النافذة يتابع بشغف كل تفصيلة تمر أمامه وكأن المدينة كتاب مفتوح لم يقرأه من قبل.
لم يتوقف عن الأسئلة وكانت كوثر تجيبه بصبر وكأنها تعيد رسم خرائط الذكريات بكلماتها
هذه الساحة المركزية... كانت ملكا لعائلة نصران أما هذا الشارع التجاري فكان لعائلة تهامي جدك من جهة والدتك لكن في النهاية استحوذ عليه ظافر ورغم كل شيء لا يزال مزدهرا كما كان...
فجأة توقفت عن الكلام كأنها استيقظت من حلم ومن ثم عقدت حاجبيها في شرود تتمتم لنفسها
يا لي من حمقاء! لماذا أخبر
وقبل أن
متابعة القراءة