رواية عشق لا يضاهي كاملة جميع الأجزاء للكاتبة أسماء حميدة الفصل مائة أربعة وثلاثون 134 هروب دمية من اتحاد معذب

لمحة نيوز

بصدر ظافر دون هوادة أو رحمة فلو أن كل ما فعلته هو زيارة مركز للتسوق ما كان لحرسه أن يضيعوا أثرها بهذه البساطة فهو يدرك في أعماقه أن سيرين ليست امرأة تخلف ظلها في غفلة بل كان ما حدث عن عمد تحاول إخفاء شيئا عنه وهي تعلم جيدا أنه سيثور إذا وصله ومع ذلك حين رأى الشرارة الميتة في عينيها تردد صوته الداخلي بين التصديق والتكذيب.
علمت سيرين بحدسها المرهف أن ثقته بها قد تصدعت وهي من سعت لذلك فتناولت شجاعتها وهمست بصوت واهن كنسمة في عتمة ليل إذ علمت في وقت سابق أنه لن يمرق اختفاءها المفاجئ عن عيونه وعيون رجاله فطلبت تلك الثياب من إحدى المحال الإلكترونية وأوصت بإرسالها لها على جناح السرعة وهذا لا يمنع أنها انتقت ما اشترته بعناية وفقا لذوق طافر
اشتريت لك بعض الملابس من هناك... شكرا لك على التزامك بما اتفقنا عليه.
لم يتصور ظافر للحظة أنها ستذهب لاقتناء ملابس
خصيصا له.
ظل عقله يصرخ إنها تكذب عليك لكن عينيه حين التقتا بخاصتها خذلتاه بل وأسكتت تلك النظرة كل هواجسه وكأنها جردت قلبه من أسلحته.
ساد صمت غريب بينهما صمت يشبه سحابة داكنة تخفي تحتها عاصفة لا يجرؤ أحد على النطق بعواقبها.
وأخيرا تكلم ظافر وخرج صوته هادئا
لا تصدقي ما سمعته في النادي... إنه هراء.
كانت تلك أول مرة يبادر فيها تضميد جرح لم تره فبدت محاولة خجولة لمواساتها لعلها ترمم شيئا من الفجوة التي اتسعت بينهما ومع ذلك بقي قلب سيرين جامدا برد ينسكب في ملامحها رغم ابتسامة خافتة حاولت رسمها على شفتيها ومن ثم همست بصوت منكسر والمرارة تشوب ابتسامتها
لا بأس... أعلم... لقد اعتدت على ذلك بالفعل.
لقد اعتادت... أجل اعتادت على أن تخدع على أن تواري دموعها خلف صمت مطبق على أن تحاصر داخل أسوار لا ترى منها إلا انعكاس صدى وحدتها.
شعر ظافر بحلقه يجف ابتلع ريقه
وكأنه يختنق بجبل من الصمت... أراد أن يشرح أن ينقش الحقيقة على جدار قلبها لكن الكلمات تحجرت في صدره وأبت أن تولد.
استكملت سيرين بصوت مبحوح
لا تقلق... سأرد لك المال قريبا... وكل شيء سيعود إلى نصابه حينها ستتجاوز ما حدث.
لم يعرف ظافر كيف غادر الغرفة كأنه انزلق من عالم إلى آخر بلا وعي... وعندما عاد إلى غرفته اجتاحه شعور غامض... ثقيل كحجر يطبق على صدره... لم يكن ندما صريحا ولا كان سلاما يعرفه بل كان طيفا باردا من الريبة يهمس في أعماقه بأن ما بينه وبين سيرين قد تغير... تغير إلى الأبد.
تلك اللامبالاة لم يعتدها منها كانت كصقيع يغمره من رأسه حتى أخمص قدميه... فكان من السهل دائما أن يرى الحب في عينيها... وكان من السهل أيضا أن يلحظ غيابه الآن.
مرة أخرى وجد نفسه أسيرا للظلام عاجزا عن إغلاق عينيه... جلس على الشرفة يراقب الليل الذي بدا وكأنه يمتد بلا نهاية.
تطلع
لا إراديا نحو غرفة سيرين لعل شيئا فيها يروي ظمأ قلبه المشتعل.
وفي الجانب الآخر من الجدار كانت سيرين تخوض معركتها الخاصة مع النوم... وبالرغم من أن حر الصيف يلهب المكان لكنها لجأت إلى بطانية تلف جسدها وكأنها تحتمي بها من أشباح الليل... وما إن أغمضت عينيها حتى غزا عقلها ضجيج ضحكاتهم تلسعها كالسياط.
سيرين الصماء...
تردد صدى كلماتهم في رأسها كأنها لعنات لا ترحم.
رفعت يدها ببطء تلامس أذنها المرهقة فشعرت بسائل دافئ ينساب منها... 
تناولت منديلا من طاولة السرير ومسحت الدم في صمت
ثقيل ثم تناولت حبوب الدواء مرة أخرى كأنها تتجرع الصبر ذاته في كل جرعة... وفي النهاية استسلمت لنوم خفيف يشبه هدنة قصيرة مع اليأس وهي تحتضن دمية نوح وزكريا كأنها تحتمي ببراءتهما من قسوة العالم.
ولم يخلف ظافر وعده تلك الليلة... ولم يذهب إلى غرفتها... بل تركها وحيدة تواجه الليل
وتغرق في صمتها الموجع.

تم نسخ الرابط