رواية هروب دمية من اتحاد معذب كاملة تمصير أسماء حميدة الفصل 137 عشق لا يضاهى
فتحت فمها لتتكلم، لتعلن استقلالها كما اعتادت لكن كلمتها لم تكتمل قاطعها بصرامةٍ حاسمة:
"قررتُ أن أُعيّن لكِ سائقًا جديدًا... ماهر سيتولى الأمر."
لم تكن الكلمات تحتمل النقاش... فظافر لم يكن من أولئك الذين يسألون بل من أولئك الذين يقررون، يُخطّون الحياة بقلمٍ لا يعرف التعديل... وهي كانت تعلم أن السبب الحقيقي وراء هذا القرار لم يكن الحرص فقط بل الغضب الكامن مما حدث بالأمس حين اختفت بلا أثر.
ظافر لم يكن يترك شيئًا للصدفة، ولا لأشباح الماضي.
ابتلعت ريقها كأنها تبتلع حجارة صغيرة وشهقت داخليًا بلا صوت... لم تجادل... لم تعترض... لقد تعلّمت أن الحسم عند ظافر ليس موضع تفاوض.
بعد مضي بعض الوقت دخل ماهر بخطواته الرزينة يحمل في صوته شيءٌ من التوقير:
"كل شيء جاهز يا آنسة تهامي… سائقكِ في انتظاركِ."
أومأت برأسها فلا رغبة لها في الكلام... الكلمات أصبحت ثقيلة كالرصاص.
وفي السيارة التفت ماهر إليها وقال:
"لا تترددي في إخباري إن
"شكرًا،" ردّت بصوتٍ خافت كأن الحروف نفسها قد انهكتها.
وعندما وصلت إلى القصر ترجّلت بصمت ودخلت كأنها تدخل فصلاً جديدًا من رواية لا تعرف نهايتها… خطواتها تلامس الأرض وقلبها يطفو فوق بحرٍ من الأسئلة.
كان القصر غارقًا في صمتٍ غريبٍ تلك الليلة كأن الجدران قد قرّرت أن تحتفظ بأسرارها وأن تُغلق فمها على ما لا يُقال.
النسيم ينسل من بين النوافذ مثل شبحٍ ناعم، يتسلل إلى قلب سيرين ويعبث بأوتارها.
لم تستطع النوم كانت جفونها ثقيلة كأبواب معابد قديمة لا تُفتح بسهولة لكنها لم تُغلق.
عادت إلى ملاذها الأوحد… الموسيقى... جلست أمام البيانو كما عاشقة تمكث أمام قبر من تُحب، تلمس المفاتيح بأنامل مرتجفة كأنها تُحيي الأرواح.
لكنها لم تخلد طويلًا هناك… إذ تسلّل إلى أذنيها صوت باب يُفتح في الطابق السفلي... لم ترتبك إذ اعتقدت أن ظافر قد عاد... ولم تتوقف عن العزف أيضًا بل غاصت أعمق، كأنها تتحدى الصوت بالمزيد من النغمات..
كانت شادية تتأنق بفستانٍ أسود يلتف حول جسدها كما تلتف الأفعى حول فريستها وخطاها على الأرض كأنها خطوات قاضية تأتي لتوقّع على النهاية.
كانت تلك أول مواجهة بينهما منذ أن اختفت سيرين كنجمة قررت ألا تشرق بعد الآن وها هما الآن في قصرٍ واحد وبينهما أكثر من سنوات… بينهما موت معلنٌ وكذبٌ حيّ.
دخلت شادية الغرفة كما يدخل الغزاة المدن المنهكة دون أن تنتظر الإذن... وجلست على الكرسي وكأنها تتربع على عرشها من جديد.
قالت شادية بصوتٍ مشدود كوترٍ قديم:
"دعينا نتحدث."
رفعت سيرين بصرها وكانت جالسة مقابلها هادئة كأنها عين عاصفة، ثم سألت بهدوء:
"عن ماذا؟"
لم تساوم شادية على المقدمة، لم تلفّ أو تدُر... قالتها مباشرة:
"لماذا عدتِ؟"
ابتسمت سيرين وكانت ابتسامتها مزيجًا من سخرية وحزنٍ دفين، ابتسامة من ذاق
"هل أحتاج إلى سبب كي أعود إلى منزلي؟"
تغيّرت ملامح شادية إذ لم تكن مستعدة لمثل هذا الرد، فقد اعتادت أن ترى سيرين تلك الطفلة الوديعة التي تنكسر بصوتٍ عالٍ ولا تعرف كيف تُقاوم لكن ما أمامها الآن لم يكن ظلًا قديمًا… كانت امرأة تعرف ماذا تعني العودة من الموت.
رفعت شادية حاجبيها باستعلاء مصطنع، وقالت:
"تظاهرتِ بالموت وهربتِ كجبانة والآن تعودين، بلا مقدمات ولا تفسير... كيف يُفترض بي أن أصدق أنكِ لم تعودي لأجل المال؟ لا بد أن في الأمر طمعًا ما، أليس كذلك؟"
ثم أخرجت شادية شيكًا من حقيبتها الجلدية ووضعته أمام سيرين كمن يُلقي صدقة على قارعة الطريق.
دفعت شادية الشيك نحوها ببطء وقالت:
"ضعي الرقم الذي تريدينه… وانتهي من هذه المسرحية."
سكنت سيرين لكن عينيها لم تسكنا... كانت تحدّق في الشيك وكأنها ترى فيه انعكاسًا لكل سنوات الذل، كل السكون الذي كانت تُجبر عليه…