رواية عشق لا يضاهى كاملة وحصرية بقلم أسماء حميدة الفصل 139
صاروا أذكى يا سيدتي... هذا الطفل عينيه تشبهان عيني السيد ظافر تماما.
لم تجبه شادية إذ كانت تفكر في الأمر ذاته... بل كانت تعرف أنها لو رأت أي طفل آخر لما أبدت هذا القدر من العطف.
لكن... هذا الصغير
إنه مختلف.
إنه يشبهها... ويشبهه.
في الجانب الآخر من الحكاية كانت خطوات ظافر تقطع ممرات القصر كما لو كانت تدوس على رماد قلبه المتعب فقد عاد للتو من مشهد عبثي آخر حيث خيم الخطر فوق رأس امرأة كان يحاول أن يطوي وجودها داخل حدود حمايته كما يطوى كتاب لا أحد يجرؤ على فتحه.
إنها دينا تلك التي قد استدعته في مكالمة مقتضبة لكنها مشحونة بالخوف المصطنع تحيك بصوتها المرتعش مسرحية درامية خبيثة... إذ قالت إنها تتعرض لملاحقة معجب لم يكتف بأن ينسج أوهامه حولها بل تجاوز خيال المهووسين وادعى أنها حبيبته... والأسوأ من ذلك أنه اقتحم منزلها... وحاول أن يخطفها إلى عالم مظلم لم تختره... هذا ما
هرع ظافر إلى هناك بنخوة رجل استنجدت به امرأة لكن الحراس كانوا قد طردوه بالفعل... لم يرغب في أن يترك الأمر للصدف فعين لها حارسا شخصيا وطلب منها أن تتصل به أو بالشرطة فورا إن عاد ذاك الرجل.
كل شيء في وجه دينا كان يصرخ بالرعب وشيء ما بداخله أحس بأنه ألقى حبل النجاة في الوقت المناسب.
وحين عاد إلى القصر كان الليل قد لف السماء بعباءته الرمادية والهواء مشبع بصمت ينهش الروح.
تذكر سيرين...
صوتها المتعب بشرتها التي ارتجف فوقها الطفح كأغنية ألم لا تنتهي.
تساءل هل أكلت شيئا
هل تشعر بتحسن
هل غفت عيناها ولو للحظة
وسط هذه التساؤلات قرر أن يحضر لها طعاما بنفسه.
وبعد أن أجرى مكالمة هاتفية مضى إلى الطابق العلوي خطواته تتردد على الدرجات كما لو أنه يصعد إلى نعيم يستجديه.
باب غرفتها لم يكن مواربا بل نصف مفتوح... كأنها تريده أن يدخل
الستائر البيضاء كانت ترفرف بخفة كأجنحة ملائكة ترتعد فوق هاوية.
وسيرين... كانت هناك جالسة على مكتبها رأسها منحني كمن يحاول إخفاء روحه في لحن.
كانت تكتب نوتة موسيقية أناملها ترقص على الورق كما ترقص أمنية فوق جسد الوقت.
كل شيء كان هادئا حد الألم كأن الغرفة بكماء لا تتكلم لكنها تبكي.
دخل ظافر وفي أول نظرة لاحظ أثر الطفح كأنه نقش حزن على جسدها الأبيض.
قال بصوت حاول أن يخفي قلقه تحت طبقة من الحزم
هل أكلت شيئا
لم تلاحظ سيرين وجوده إلا عندما سقط ظله على ورقتها فرفعت رأسها ببطء وقالت دون أي اندهاش
لقد عدت.
أجابها بنبرة آمرة اللعنة على هذا الظافر!! متى سيتعلم اللين
نعم... انزلي إلى الطابق السفلي وتناولي طعامك.
هزت رأسها بخفة كأن الجوع لا يسكنها أو ربما يسكنها ما هو أعمق
لست جائعة.
واصلت الكتابة كما لو كانت تهرب من عينيه أو من سؤال لم
لكن ظافر لم يكن ليتراجع... لم يكن الأمر مجرد طعام بل طقس من الحماية من الاهتمام الصامت.
قال بلهجة قاطعة
حتى لو لم تكوني جائعة عليك أن تأتي وتأكلي.
ثم التفت ونزل تاركا خلفه شيئا غير مكتمل كأنه انسحب من لوحة قبل أن ينهي رتوشها الأخيرة.
لم تجد سيرين بدا من اللحاق به... كانت خطواتها ثقيلة وجسدها يئن تحت وطأة خدر لا علاقة له بالحساسية.
وعندما وصلت إلى غرفة الطعام وجدت طاولة باذخة تزخر بالألوان والروائح... الطعام بدا كما لو أن مطعما بأكمله انحنى ليعد لحنا يؤكل.
ألقت نظرة سريعة...
لم تكن هناك أطباق بحرية.
تعلم أن الغياب لم يكن عشوائيا... لكنه لم يبرر ولم يتحدث... أرادت أن تسأله عما دار بينه وبين دينا ولكنها صمتت طالما لم يحك فلن تبدي اهتماما.
فقط جلس وبدأ يأكل.
كان الصمت بينهما سميكا لكنه مألوف... صمت الذين عرفوا كيف يحبون سرا.
بعد أن أنهت طعامها رفعت عينيها نحوه