عشق لا يضاهي تمصير أسماء حميدة الفصل مائة ثمانية وأربعون 148
أما ظافر فكان يحدق فيه بنظرة مائلة كأن في قلبه سؤالا لا يريد له جوابا... أجل فهو يعرف أن طارق يخفي شيئا...
لكنه اختار أن يتركه في كهف أسراره يدفن فيه ما يشاء ففي النهاية بعض الجروح لا تشفى بالسؤال... بل بالصمت.
أضاءت شاشة الهاتف فجأة وسط العتمة التي تغلفت حول روح ظافر كوشاح ثقيل من الصمت وظهرت رسالة...
من سيرين.
لامست عيناه الكلمات كما يتحسس الجريح موضع الألم في البداية ظنها رسالة اعتذار كخيط نور يشق عتمة ليله الطويل لكنه فوجئ بها تخبره ببساطة باردة
سأذهب إلى منزل صديقتي.
لا سلام لا عتاب لا نبرة ندم... فقط بيان مقتضب كمن يغلق بابا دون أن يحدث صوتا.
كان طارق يراقبه من الجانب الآخر للطاولة بعينين ضاقتا كنافذتين تحدقان في عاصفة وانحنى قليلا يخفي وراء
هل كانت سيرين تطمئن عليك
رد ظافر بصوت بارد كجدار لم يلمسه دفء قط
أخبرتني أنها ذاهبة إلى صديقتها.
ارتسمت ابتسامة خافتة على وجه طارق لكنها لم تكن بريئة بل أشبه بابتسامة من قرأ بين السطور
أوه... هل هي تلك الصديقة... كوثر
أجابه ظافر دون أن يلتفت إليه كمن يلقي بالحقيقة من نافذة قطار مسرع
أجل.
تبدلت ملامح طارق وظهر النفور في صوته
جدي لا يتوقف عن محاولة إقناعي بلقائها.
رفع ظافر حاجبيه قليلا كمن يلقي سؤاله في بحر راكد
أهي ليست على مستوى توقعاتك
هز طارق رأسه نافيا أشبه بمن يبعد عن نفسه غبار فكرة لا تليق به
ليست من النوع
صمت خفيف ثم جاءت كلمات ظافر كحكمة نسجت من تجاربه
ليس من الضروري أن تتزوج بمن
سكت طارق للحظة ثم سأله بنبرة مشبعة بالترقب يحاول فتح باب موصد خلف قلب
وهل كانت سيرين تكملك يا ظافر
جاء صوت ظافر خافتا كأن حنجرته مرت فوق رماد ذكرى
كانت تفعل ذلك...
ظل طارق يتأمل ملامحه المكسورة ثم همس بسؤال آخر أكثر خطورة كأنه يلقي بحجر في هوة عميقة داخله
وهل لم تعد تتفق معك بعد عودتها
لم ينطق ظافر. ثم نهض فجأة وقال
يجب أن أعود.
لكن طارق لم يكن مستعدا لإنهاء هذه المحادثة... كان ثمة شيء في داخله لا يزال يطرق الباب.
وقبل أن يغادر ظافر سأله بصوت محمل بالقلق والتهكم والصدق معا
هل يمكن للمرء أن يكون سعيدا وهو يعيش مع شخص لا يحبه يا ظافر
توقف ظافر والتفت نحوه ببطء وعينيه تبوحان
تابع طارق بنبرة جمعت بين المكر والوضوح كأنه يلقي محاضرة على قلب خائف
إن لم تكن العلاقة تشعرك بالسعادة فالأفضل إنهاؤها... أظن أن ذلك سيكون أفضل لكليكما بدلا من أن تذبلان تحت سقف واحد.
كان طارق يؤمن بأن الحب شرط أول لا استثناء وأن الزواج بدونه أشبه بعقوبة مؤبدة لذا لم يرد أن يكون سجينا لأجل وظيفة أو إرضاء لأحد.
ركب ظافر سيارته والليل يغمر النوافذ كسيل من الأسى... كان صامتا لكنه ليس هادئا.
راحت كلمات طارق تتردد في رأسه كرجع صوت داخل كهف ثم نظر إلى هاتفه مجددا إلى تلك الرسالة الجافة الباردة...
ظل يحدق فيها طويلا وكأنما يحاول أن يسمع ما لم يكتب أن يشعر بما بين السطور.
وأخيرا بعد صراع داخلي كتب لها ردا...
كلمة واحدة كانت كطلقة
تمام.
ثم أطفأ الشاشة... وأظلم قلبه.