عشق لا يضاهى للكاتبة أسماء حميدة كاملة وحصرية هروب دمية من اتحاد معذب الفصل 153
ربما استوعبتها أكثر مما ينبغي.
دينا كانت على حق... أنت كاذبة... بل الكذب يجري بأوردتك مجرى الدم
صدى الاسم ارتطم بجدران رأسها وأحدث داخلها دويا أشبه بانفجار صامت... شعرت وكأن أنفاسها تتكسر على أطراف ضلوعها وأن قلبها قد سقط في هاوية لا قرار لها.
رفعت عينيها إليه وقد غمرهما الدمع ليس ضعفا بل غصة... خليط من القهر والتساؤل والخذلان... رمشت بقوة علها تطرد الوجع علها تستفيق من كابوس لم تدخله بإرادتها.
كاذبة!
قالتها بصوت أشبه بتنفس يائس لا سؤالا.
نظر إليها ظافر وما زال الغضب يضرم عينيه كشعلة وقود لا تنطفئ. بدا وجهه منحوتا من حجر غاضب... عضلات فكه مشدودة يده لا تزال تقبض على ذراعها والهواء داخل السيارة صار خانقا كأن النوافذ سدت بالرعب.
كذبت علي وأخفيت عني... كنت تظنين أني أحمق أني لن أكتشف
كلماته كانت طلقات لا تخطئ كل واحدة منها تغوص في جسدها العاطفي وتترك نزفا لا يرى لكنه يحس.
سحب يده فجأة كما لو أن ملامستها قد لوثت جلده ثم استدار بعنف ووجهه نحو الزجاج الأمامي يضغط على عجلة القيادة بقوة حتى برزت عروق يديه.
أما هي فكانت لا تزال تحدق فيه والدموع
الضوء الخافت من لوحة القيادة انعكس على وجهه وكشف ما حاول أن يخفيه...
كان مجروحا... جرحه لم يكن غضبا فقط بل خيانة... لم تكن كلماته نابعة من اتهام بل من وجع رجل كان يظن أنه يعرف ثم اكتشف أنه لا يعرف شيئا.
سرت قشعريرة باردة في جسد سيرين تسللت من عنقها حتى قدميها كأن الشك اخترقها هي الأخرى.
ابتلعت غصتها ورفعت صوتها الذي خرج ممزوجا بالانكسار والتمرد
أخبرني... ماذا تعرف وماذا قالت لك دينا
كان سؤالها كخيط رفيع تمسك به قبل أن تسقط إلى قاع الظنون.
لم يلتفت إليها... فقط ظل يحدق في طريق لا يراه وكأن ذاكرته تتحكم بالسيارة بدلا عنه... الهواء يزداد برودة وكأن السيارة تحولت إلى ثلاجة من الندم.
أجاب أخيرا بصوت أجش كمن نبش جرحه للتو
قالت لي ما لم تقوليه... أخبرتني بما أخفيته... هل تعرفين أكثر ما يقتل أن تثق بمن يغرس الخنجر بابتسامة.
ارتجت أنفاس سيرين وكأن صدرها قد تهشم فجأة وتكاثر الصمت بينهما ككائن ثقيل يجلس بين المقعدين.
رفعت يدها ببطء ومسحت دمعة سقطت دون إذن ثم همست كأنها تكلم نفسها
لم أكذب... لكنك
كان صوته أقرب إلى حافة الجحيم... خرجت كلماته كأنها تسحب من بئر مظلم عميق تفوح منه رائحة الحريق وهو يقول بصوت مختنق
لقد رأيتك... رأيتك اليوم بعيني هاتين وهما لا تخطئان.
همسها في أذنها لم يكن همسا ناعما بل كاللهيب يدس في جوف الروح وهي تشعر بأنفاسه الثقيلة تلفح عنقها وأن فكيه يكادان يتحطمان من شدة ما يضغط بأسنانه
ثم صمت لحظة كأن الغضب داخله يحتاج لزفير عميق كي لا يحرقه ثم تابع بصوت متهدج بالغيظ لكنه لم يكمل. فق
أمسكتك بالكذب مجددا أليس كذلك لا تستطيعين السيطرة على نفسك... دائما ما تفضحين نفسك بكذب هش لا يصمد أمام عيني.
كانت أصواته كالسياط لا تضرب جسدها بل كرامتها وكل حرف كان يشطر قلبها نصفين.
لم تعد تسمع سوى طنين مكتوم كأن الدنيا تضيق وتتلاشى من حولها والدموع بدأت تنسدل على خديها كقطرات حبر تسكب على ورق نقي... ومن ثم قالت بشفاه مرتجفة وصوت بالكاد خرج من حنجرتها
ظافر... أنت... تبالغ.
كأن كلماتها تلك كانت جازا فوق النار فما إن سمعها حتى انعقدت ملامحه أكثر وزاغ بصره في هيجان لم تره فيه من قبل... رفع يده
تجمد الهواء من حولها وبرودة وجهها جعلت ارتجافها يزداد كأن الضربة لم تكن على وجهها بل على قلبها مباشرة.
ثم تمتم هو بنبرة مهددة
إذا كنت تظنين أن هذه مبالغة... فانتظري لأن ما سيأتي سيجعلك تتوسلين أن أكتفي بهذا.
وفي حركة فجائية جذبها من مقدمة قميصها بشراسة فانفكت أزراره وتطايرت كأنها حبات خوف تناثرت في الهواء.
ارتدت سيرين إلى الخلف بحدس الدفاع الأخير وصرخت وقد استجمعت بقايا كبريائها ويداها تائهتان تبحث عما يستر ما ظهر منها
يا لك من حقير!
لكن ظافر لم يسمع... أو ربما سمع لكنه استلذ بالإهانة كما يستلذ المريض بوجعه حين يصبح الإدمان هو الدواء الوحيد.
كانت السيارة سجنا زجاجيا بلا نوافذ والليل خارجه يراقب بصمت جاف كأن السماء رفضت أن تشهد هذا الانكسار.
ألصقت سيرين وجهها بالنافذة كأنها تبحث عن مهرب عن ضوء عن دليل على أن
العالم ما زال فيه إنصاف.
اقترب منها وعيناه كالشرر وصوته خافت لكنه مرعب يحمل غيرة مشبعة بالمرض
أليس هذا ما كنت تريدينه دائما! حسنا... الليلة... سأعطيك كل ما