رواية عشق لا يضاهى بقلم الكاتبة أسماء حميدة كاملة (الفصل 169) ظافر وسيرين
أومأ كارم برأسه مطمئنًا وقال بصوت متماسك:
ــ "يعلم... لا تقلقي."
لقد وصلا كارم وظافر إلى المستشفى واحدًا يلو الآخر وبينما كانت سيرين تُصارع بين الحياة واللاوعي في غرفة الطوارئ وقف الرجلان وجهًا لوجه بملامح باردة وصمتٍ حذرٍ مشبع الكبرياء يحاولان أن يحافظا على ثباتهما الانفعالي أمام طاقم العاملين حتى لا تحاوطهما كاميرات الصحافة الصفراء ويلتقطوا صوراً لرجلان يتقاتلان من أجل امرأة.
وعلى الرغم من أن ظافر قد اضطر للمغادرة قبل ساعة لكنه لم يرحل دون أن يترك خلفه ظلّه... ترك على باب الغرفة اثنين من حرّاسه، كأنهم حُرّاس على قلبه لا على سيرين... بل ووضع كاميرات مراقبة داخل وخارج الغرفة ليجعل كل شيء تحت نظره فإن فكر كارم أن يهمس أو يقترب أو يُفصح فسيكون ظافر هناك حتى وهو غائب.
ذلك هو الظافر الذي أصبح مثلاً للحب حين يتحول إلى حصار ناعم لا تراه لكنه يخنق.
لاحظ كارم الشقوق التي نُقشت على شفتي سيرين كأن الجفاف قد مرّ عليها بمحراث فنهض بهدوءٍ من كرسيّه وذهب
عاد كارم يحمل الكوب كأنه يحمل لها الحياة نفسها واقترب ليساعدها على الشرب فارتعشت شفتاها تحت حافة الزجاج كما لو كانت تحتسي الغفران لا الماء.
قال وصوته مغموسٌ بمزيجٍ من الطمأنينة والحزم:
ــ "لقد رتّبت أمر أنس... لن يجرؤ على إزعاجكِ مجددًا."
ثم أردف وعيناه تراقبان عينيها كأنهما تبحثان فيهما عن شكرٍ غير منطوق:
ــ "رامي لا يزال غائبًا لذا سأكلف أحدهم بحمايتكِ مؤقتًا."
اكتفت بإيماءة صغيرة كأن الكلمات لم تكن لها طاقة بعد، فالتعب سرق حتى حقها في الامتنان.
جلس كارم إلى جانبها وساعدها على تعديل جلستها برفق، كمن يخشى أن تنكسر بين يديه.
قال وهو يتنفس بعمق كالموشك على فتح بوابةً من الأسرار:
ــ "طلبت من أحد رجالي التحقيق في ماضي أنس... اسمه الكامل أنس عبد الله... رجلٌ كان يملك شركة صغيرة في الخارج... حين تواصلت معه دينا أول مرة كان خاطباً لكنه وقع في فخّها سريعًا... أعجب بها حتى الثمالة فترك خطيبته
استمعت سيرين بانتباهٍ صامت وعيناها لا تُظهران ذهولًا بل تأملاً هادئًا كأنها كانت تقرأ فصولًا إضافية من رواية كانت قد توقعتها فقد سمعت مسبقاً شذرات عن هذا الماضي من قبل لكنها لم تكن تعرف أن أنس كان مجرد محطة في رحلة دينا نحو المجد المؤقت.
للحظات فكرت في ظافر... فلو أفلس الآن، هل كانت دينا ستبقى تقاتل من أجل لقب السيدة نصران؟
ابتسمت سيرين لنفسها بسخرية باهتة كأن الجواب لا يحتاج لتفكير.
قالت سيرين بصوت خافت لكنه مشبعٌ باليقين:
ــ "إذًا من سعى لقتلي لم يكن أنس... بل دينا. من حديثه بالأمس بدا واضحًا أنه فعل ما فعل فقط ليُرضيها... أنا لا أريد أن يُسجن... لا، فالأمر أعمق من ذلك."
نظرت إلى البعيد إلى زاوية الغرفة كأن فيها صورة الماضي متجسدة ثم تابعت:
ــ
كانت كلماتها تنقش على جدران قلوباً أضناها الهوى خارجةً من بين أنياب الغضب الهادئ، تفيض بعزيمة امرأة قررت ألا تكون الضحية بعد الآن.
أردفت سيرين مستكملةً بصوتٍ عميق، لا يحمل حقدًا بل يحمل عدالةً قاسية:
ــ "أريد أن أراها عاريةً من ألوانها الزائفة... أن أرى دهشتها حين تنهار الأقنعة... لا أريده أن يُسجن، بل أن يستيقظ من وهمه... أن يراها تُدير له ظهرها حين تنتهي صلاحيته... كما فعلت مع سواه."
كانت تعرف بحدسٍ نادر أن أنس إذا تُرك وشأنه، قد يعود بأنياب أكثر حدة. لكن إن رأت عينه الحقيقة، فسيصير خطره على محرضته لا عليها.
ومن أدرى منها بقسوة الحقائق فعلى مدار سنوات من الظلم قد فهمت سيرين شيئًا أهم من الانتقام:
أن الحقيقة المؤلمة إذا