رواية عشق لا يضاهى تمصير الكاتبة اسماء حميدة كاملة وحصرية (الفصل 170)هروب دمية من اتحاد معذب
بنظرة خاطفة لكنه لم يعلق... فقط اقترب منها بخفة صامتة كأن كل خطوة يزنها بميزان الغموض.
قال دون أن يفصح عن أي توتر
طلبت من أحدهم أن يرسل إلينا بعض الإفطار.
ولم يأت على ذكر كارم كأن اسمه بات خطا أحمر لا يجب لمسه.
ألقى نظرة على سترة بدلته التي كانت مطوية إلى جانب السرير ثم جذب كرسيا وجلس بقربها كأن وجوده بجوارها هو نوع من الطقوس التي لا يمكن كسرها.
حين سحب الكرسي لاحت لسيرين ندوب متناثرة على ظهر يده اليمنى.. كانت يدا ظافر دوما أشبه بقطعتين من العاج
ناعمتين خاليتين من الخدوش... فمتى وكيف نبتت فوقهما تلك الندوب
سألت بصوت خافت لا يخلو من قلق
ما الذي حدث ليدك
رمقها ظافر بنظرة باردة ثم أجاب بجفاف متعمد
لا شيء... مجرد إصابة بسيطة.
لكنها لم تعلم أنه كسر زجاج نافذة السيارة بقبضته العارية ليخرجها من الحطام ولم يخبرها... ربما لأنه لا يريد أن يبدو ضعيفا أمامها أو ربما
قالت بصوت خفيض ممتزج بالحذر وكأنها تتلمس طريقها وسط حقل ألغام
أخبرني الطبيب... أنك من أحضرني إلى المستشفى... شكرا لك.
توقفت قليلا ثم عضت على شفتيها لم تذكر أن كارم هو من أخبرها بذلك خشية أن يتلون الهواء بنبرة توتره.
تبدلت ملامح ظافر للحظة كأن جدارا من جليد داخله قد تشقق.
أنت زوجتي قالها بنبرة يشوبها مزيج بين التأكيد والامتعاض ثم استكمل بتملك
من البديهي أن أكون أول من يأخذك إلى المستشفى بعد حادث كهذا.
كان مجرد حادث! قاطعته سيرين متسائلة بسرعة ولهفة كمن يسحب الكلمات من فمه قبل أن تتسرب منه الحقيقة.
كانت تدرك جيدا مدى تعلق ظافر بدينا ولو علم بتورطها فربما... فقط ربما لن تكون ردة فعله كما تأمل.
تأملها ظافر طويلا بعينين زاخرتين بالأسئلة لكنه لم يكذب حدسها ولم يصدقه... فقط صمت.
ذلك الصمت العجيب الذي يقول فيه المحب كل شيء
بعد لحظات وصل الإفطار وتشاركا الطعام معا على مائدة صامتة يتقاسمها الخبز والسكوت وتتسلل النظرات بين فواصل الكلام المبتور... وحين انتهيا لم يبد ظافر أي نية للمغادرة بل فتح حاسوبه وجلس إلى جانبها وكأن العالم كله اختزل في تلك الغرفة... وكأن حراسة قلبها باتت أهم من كل التزامات الأرض.
أما سيرين فظلت ممددة على سريرها ترقب تصرفاته بنظرات جانبية من عينها في حين كان جسدها تحت المراقبة الطبية... وقلبها تحت مراقبة رجل يخفي وراء الصمت أعاصير.
حل الليل كوشاح أسود ناعم ينسدل فوق المدينة ببطء ممزوجا بضوء شاحب كالحزن الجميل يلمع من بين الغيوم كأنه بصيص من ذاكرة بعيدة.
من نافذة المستشفى بدا العالم الخارجي وكأنه مرسوم على زجاج باهت لا يمكن لمسه ولا الهروب منه.
وفي الداخل كانت سيرين غارقة في كتاب لم تكن تقرأه بقدر ما كانت
كل حرف كانت تمر عليه كان يذوب في عينيها بلا أثر بينما ظلت تراقب من طرف عينيها ظل ظافر الجالس في ركن الغرفة بعد أن ترك لها مساحتها كي ترتاح قليلا وبقى ساكنا هناك لا يتحرك كثيرا ولا يتكلم... فقط موجود... رجل لا ينسحب ولا يقترب.
الزمن بدا مشوها كل دقيقة تمد أطرافها كأنها ساعة وكل نظرة تتسرب في القلب كقطرة من سم العسل.
ومع مرور الوقت خفتت أنفاسها شيئا فشيئا واستسلم جسدها للإرهاق فغلبها النعاس كما يغلب البحر ضوءا صغيرا.
في الحلم كان الليل أكثر سوادا والرؤية أكثر وضوحا.
رأت أنس واقفا أمامها وجهه شاحب كقناع بلا حياة وعيناه متسعتان ككهفين لا قاع لهما يغمرهما الجنون والخذلان.
لم يقل شيئا لم يبتسم لم يعبس... فقط رفع يده... وسكين طويلة تلمع في ضوء لا مصدر له تتقدم نحوها ببطء.
ثم...
طعنة في الحلق.
باردة. صامتة. قاسية.
أرادت أن تصرخ لكن الصوت التصق بحلقها.
لا! صاحت كأن الحلم انكسر بصوتها.