رواية عشق لا يضاهى بقلم الكاتبة أسماء حميدة الفصل 171 ظافر وسيرين كاملة
همست سيرين باستجداء كمن يمد يده لمفتاح السجن بعد أن صدر حكم الإفراج
لو فعلت... لكنت شاكرة لك.
رفع يده عنها يحط بقدميه أرضا يبتعد عن السرير يواليها ظهره بصمت ظنت أنه القبول...
لكن عيناه حين التفت إليها مجددا والتقت بعينيها كانتا كأزان يغلي... ومن ثم قال ساخرا كأن النار خرجت من فمه بدل الكلمات
أنت تفكرين جديا في الأمر!
تجمدت الكلمات في حلقها وقد تهشمت كل الآمال الصغيرة التي بنتها في ثوان... فقد أدركت متأخرة أنه كان يسخر... يلعب معها لعبته القديمة
يعطيك طرف الحبل ثم يخنقك به.
ماذا تظنني سألت كأنها تطلب اعترافا منها لا منه.
سأقبلك كما قبلتني... أجاب لكن صوته كان مرا كطعم الرماد.
تزييف الموت هروبها اختفاؤها والآن... طفل لا يعرف إن كان له أم لسراب
كلها اجتمعت ككأس امتلأت بما لا يشرب فأراقها ظافر على وجه كارم في مخيلته... وها هو يضرب بالخمس سنوات التي اختفت فيها عنه عرض الحائط وسيقبلها بأخطائها التي بناها في خياله فمجرد تخيلها وهي تغادر مع ذاك الكارم كان كافيا ليدفعه إلى الجنون.
اقترب منها وقال بهدوء قاتل كأن كل جملة منه لعنة
تذكري شيئا واحدا فقط...
أنا لم أكن يوما رجلا يلبي رغبات الآخرين.
سقطت كلمات ظافر الأخيرة في صدر سيرين كسقوط خنجر على طاولة من خشب
حدقت فيه والدم ينسحب من وجهها كأن الحياة قررت أن تخبو فجأة من ملامحها.
لم أطلب منك أن تلبي رغبتي ظافر قالت بصوت ناعم لكنه كالسم في الكؤوس الفضية.
أنا فقط... طلبت أن تنهي هذه المهزلة... أن تحررني منك كما تحرر الغريق من حجر في عنقه.
قهقه ظافر حتى أدمعت عيناه ولكن ضحكاته كانت خالية من أي بهجة بل كانت أقرب إلى صوت صدأ يكشط عن حديد قديم.
وبعد أن هدأت نوبته تقدم منها وعينيه تلمعان بشيء يشبه الجنون
تظنين الأمر بهذه البساطة أن تغادري وتتركي لي هذا الخراب
تتركينني أنا... أنت التي صنعت منك امرأة ترى من كنت قبل أن تصيري في بيتي مجرد شبح امرأة لا يراها أحد إلا أنا!
ارتعش جسدها ليس من الغضب بل من الذهول كأنها تنظر أخيرا إلى مخلوق لم تعرفه يوما رغم أنها نامت بجانبه لسنوات... تقول بصوت أنثى تحطم كبريائها
أنا صنعت نفسي ظافر... أنت فقط كنت المشهد الخلفي الجدار الذي ظننته مأوى فاكتشفته قفصا.
صمت لكن نظراته صارت قاتمة مائلة إلى السواد.
هل تحبينه سأل أخيرا كمن يطلق رصاصة على قلبه عن طريق فمها.
أخفضت عينيها للحظة ثم نظرت إليه بثبات... وقالت بتجبر
لا أعلم إن كنت أحبه... لكني أعلم شيئا واحدا أنا لا أحبك.
تلك الجملة سقطت
تراجع خطوة للوراء وكأن الهواء استعصى عليه تنفسه فجأة.
ولأول مرة تتحداه بهذا الشكل فقالت وهي تحمل في عينيها لهبا لا رجفة
ظافر مشكلتك أنك رجل لا يملك إلا الأشياء المصانة فتعتقد أن لا أحد يرغب بها... وعندما تدرك أن ما بين يديك كان ذهبا يكون قد ذاب بين أصابعك.
حدق فيها كأن كل ما فيه يريد أن يرد أن يهجم أن يمزق
لكن ما خرج منه كان صوت مخيف قاطع
هذا ليس وداعا سيرين... أنا لا أطرد من حياة أحد أنا هو من يختار متى أغادر ومتى أعود.
فردت بثقة امرأة تولد من رمادها
ولأول مرة في حياتي... لن أنتظر عودتك.
ثم استدارت عنه وقلبها ينبض ليس بالخوف... بل بالنهاية.
النهاية التي بدت لها أخيرا كخلاص تريده ولا تقدر عليه.
تلك الليلة لم تكن لتمر مرور الساعات العادية لم ينم أحد.
لا ظافر غمض جفنه ولا سيرين هدأ لها نبض.
كان كل منهما أسير فراشه كأن الوسادة صارت ساحة معركة والأغطية قيودا لا تفك بل كان الخدر يجتاح الجسد لكن العقل العقل ظل كمنبه معطوب يدق في كل اتجاه لا يطلب يقظة بل يزرع الحيرة.
وفي الجهة الأخرى من المدينة كانت دينا جالسة في منزلها وجهها مغمور بضوء شاشة هاتفها وعيناها تلاحقان أخبارا تتسرب كالسم من بين الأصابع.
الخبر كان واضحا سيرين نجت.... حادث السيارة لم يكن خاتمة الرواية كما خططت.
عضت دينا شفتها السفلى كأنها تتذوق مرارة نجاة من كانت تتمنى اختفاؤها.
وفجأة اخترق الصمت صوت مألوف متوتر يخرج من أعماق الهاتف في حين أن ضغطت أناملها بشرود زر الإجابة على المكالمة الواردة دون أن تشعر
دينا... دينا اسمعيني... أنا في ورطة... لقد هربت وأنا الآن مختبئ في مكان لا يعرفه أحد.
كان صوت أنس يرتجف مشبعا بالخوف لا يحمل سوى رجاء هش... ولكن الرقم الذي يتواصل من خلاله غير مسجل لديها.
ضاقت عيناها وتلاعبت أطراف فمها بابتسامة أشبه بالشفقة... لا عليه بل على سذاجته.
أين أنت سألت ونبرة صوتها ناعمة كحافة خنجر.
أملى عليها العنوان وكلما نطق رقما أو حرفا كان كمن يكتب شهادة موته بيده.
أنهى المكالمة متوهما الأمان.
ولكن دينا من دون أن ترتجف يدها ودون أن يتردد قلبها فتحت تطبيق الرسائل وأرسلت العنوان إلى الشرطة كما يلقى حجر في بئر دون أن تنظر لما سيفعله صدى السقوط... ثم أغلقت الهاتف وحدقت في الظلام أمامها كمن ينتظر المشهد التالي في مسرحية هو كاتبها... لكنه لا يعلم من سيموت أولا.
رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة لمتابعة مواعيد نشر الرواية يرجى الانضمام إلى جروبنا المتواضع روايات عالمية بنكهة عربية