رواية (ظافر وسيرين كاملة) عشق لا يضاهى بقلم الكاتبة أسماء حميدة الفصل 172

لمحة نيوز

كتيبة صغيرة!
ثم انطلقت تحكي بإسهاب عن مغامرات زكريا في الأيام الماضية.
كانت سيرين تصغي لكن كلمات كوثر عبرت خلالها كما تعبر الريح في بيت بلا نوافذ... لم تقل شيئا فقط شعرت بوخزة خفيفة من الذنب.
كيف لها أن ترى أبناءها يكبرون من خلف زجاج الوقت فكل لحظة تقضيها بعيدة عنهم كانت طعنة ناعمة في قلبها الأمومي.
استمر الحديث وانساب الوقت مثل نهر يهمس بين ضفتي غياب.
أما كوثر بعفويتها التي لا تعرف الكتمان خططت لرحلة تنزهية بعد انتهاء الدعوى القضائية... حيث قالت كوثر بمرح
انتهى كل شيء... بعد المحكمة سنهرب مع الأولاد إلى البحر... صفاء بحر وحرية ما رأيك
سيرين لم تكن واثقة إن كانت النهاية قريبة كما تتخيل كوثر لكنها ابتسمت رغما عنها وقالت
موافقة.
وقبل أن ينهيا المكالمة
عاد زكريا إلى الخط صوته صغير ومرهف كصدى قلب طري
لا تنسي الحليب وتذكري تأخذي الفيتامينات وممنوع السهر يا ماما...
عندها فقط شعرت سيرين بأن هناك حبا في هذا العالم لا يطالبها بشيء... فقط يحبها كما هي وسمحت لدمعة دافئة أن تنزلق بهدوء وتسكن خدها بلا خجل.
غادر ظافر القصر عصرا بصمته المعتاد وظهره المستقيم دون أن يترك وراءه وعدا بعودة ولا حتى لمحة عين تخبر سيرين متى سيعود.
أما هي فقد شعرت أن اليوم ليس صالحا للجدل أو الحسابات فآثرت أن تهرب إلى شيء يشبه السكينة... إلى الحديقة.
كانت الحديقة ذات يوم مملكة صغيرة لسيرين فقد زرعت فيها زهورا ملونة كطفرة أمل حاولت أن تنبتها وسط هذا القصر البارد لكن ظافر الذي لطالما آمن بالصرامة حتى في الألوان لم يعجبه الزخم الزاهي وبلسان
خال من المشاعر أمر فور أن أزهرت بتحويلها إلى مساحة خالية تكتفي بالخضرة الصامتة وهكذا تحولت الحديقة إلى مرآة لروحه... أنيقة لكنها عقيمة لا حياة فيها ولا عطر.
سارت سيرين بخطى بطيئة وكأنها تبحث عن شظايا ذاكرة سقطت منها ذات وجع وفجأة توقف قلبها لوهلة حين لمحت في إحدى الزوايا باقة خجولة من زهور الأقحوان البرية شقت طريقها رغم القسوة كأنها ابتسامة ولدت في جنازة.
وقفت أمامها صامتة كمن يرى معجزة صغيرة لا يجوز لمسها.
وفي ذات اللحظة كان ظافر قد عاد وأخذ يتجول في أروقة القصر باحثا عنها ولم يجدها في غرفة المعيشة ولا في أي من الردهات الفارغة.. فخرج مسرعا ينوي أن يتتبع أي أثر لها بعد أن كاد نابضه يتوقف عن الهدر وهناك رآها... كانت واقفة لا تتحرك فقط تحدق في زهور الأقحوان
كأنها تخاف أن تختفي إن رمشت.
مشهدها هذا أعاده بسنوات إلى الوراء...
إلى تلك الليلة التي كانت فيها سيرين تركض في الحديقة يداها ملوثتان بالطين ووجهها يلمع بالحماس تقول له
أنظر! زرعت بنفسجا وزنبقا وياسمين... أليست جميلة
حينها لم ينطق سوى بجملة واحدة باردة كصفعة ماء في ليلة شتوية
أعيدي الحديقة إلى حالتها الأولى.
ولما أتى الليل نزعت الزهور بيديها الزهور واحدة تلو الأخرى بينما الدموع كانت تنزل دون صوت تذوب في الطين.
لم يرد أن يوقظ ذلك الحزن مرة أخرى فعاد إلى الداخل دون أن ينطق بكلمة واتصل بحسن كبير الخدم في قصر آل نصران وجاء صوته هادئ لكنه يحمل شيئا يشبه الندم
حسن... أحضر بعض البستانيين الليلة ليزرعوا زهورا في الحديقة... زهورا كثيرة... ليكن المكان ساحة مليئة
بالألوان والأزهار.

تم نسخ الرابط