رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة الفصل 177 ظافر وسيرين
بعد كل ما جرى
أجابه زكريا تلقائيا وكأن غضبه أسبق من تفكيره
لماذا تسأل! رجل تخلى عن زوجته عن والدتك! أليس هذا شرا كافيا
صمت مؤقت تبعه صوت نوح بنعومة تشبه انسياب المطر على نافذة معتمة
لكنني... أظنه يحب أمي زاك.
خفق قلب زكريا كمن تلقى لكمة مباغتة فعجز عن النطق لثوان.
ثم تابع نوح بسرعة وكأنه يحاول انتزاع اعتراف واه
لقد رأيته... لقد أحضرها بنفسه إلى هنا في عيد ميلادها... كان ينظر إليها كما لو أن شيئا فيه لم يمت بعد... لم تكن نظرات حقد بل نظرات رجل يخبئ شيئا في قلبه ويخشى أن يبوح به.
كان نوح دائما يسبق عمره يرى ما لا يراه الكبار ويقرأ ما بين السطور دون أن يملك قاموسا لها فمنذ أن تسلل المرض إلى جسده صار يرى الناس بعيون أخرى وكأنه يقرأ نواياهم من نبرة أنفاسهم لا من كلماتهم.
هز زكريا رأسه بتردد وهمس
هل هذا كل ما استندت إليه نظرة
لكن داخله كان مضطربا... كم مرة رآها تبكي ليلا
كم مرة نطقت باسم ظافر في نومها كما لو كانت تطلب الغفران أو الرجوع
لقد بحث في ماضيها نقب في الصور والأحاديث والرسائل لكن لم يجد سطرا واحدا يخبره أن ظافر أحبها حقا.
أما نوح ببساطته الحكيمة راح يحكي كيف أفسد ثياب أبيهم البديل
أما زكريا فكان ينصت بصمت يغوص في أفكاره كمن يحاول أن يزن قلبه على حد السيف... فلو كان ظافر يحب سيرين كما يقول نوح لما طردته سيرين من حياتها... لكنه لم يفعل... أو ربما كان حبه مشوها حبا لا يعرف كيف يعبر عن نفسه إلا بالقسوة.
تمتم زكريا بشرود ثقيل
لقد تأخر الوقت... عليك أن تستريح... فهذه المكالمة لا يجب أن تطول أكثر... إن رصدوا الاتصال لن ننجو.
أجابه نوح بصوت خافت
حسنا...
وانطفأ ضوء الجهاز شيئا فشيئا كنجمة صغيرة قررت أن تنام في العتمة.
نظر نوح إلى السقف طويلا كأن قلبه معلق هناك ثم أغلق عينيه هامسا لنفسه
هل من الخطأ أن نحب من كسرنا
أما
قضى نوح نهاره حبيس جدران الغرفة جسده مستلق على سرير وثير لكن روحه كانت تائهة... شاردة... تبحث عن إجابات لا تأتي... ورغم السكون الذي خيم على المكان لم يتمكن من الانزلاق في حضن النوم... هناك شيء ما في صدره كان يرفض السكون كأنه قلب صغير يدق بإلحاح على أبواب الأسئلة.
أدار نوح رأسه نحو النافذة ومن خلف زجاجها البارد راقب النجوم وهي تتلألأ في السماء كدموع معلقة على وجه الليل ثم همس لنفسه بصوت خافت بالكاد تسمعه روحه
إن لم يكن ظافر رجلا شريرا... وإن كان يحب أمي حقا... فهل ينبغي علينا أن نغفر له
ما إن خرجت الكلمات من شفتيه حتى اجتاحه ألم مباغت كلسعة نار في العظام كأنه يتمرد على فكرة التسامح ومن ثم غمر العرق جبهته كأن جسده ينزف صمتا.
انعقد حاجباه وتقلصت ملامحه من شدة الألم ثم قال بنبرة جافة كالسكاكين
لا.
كان الألم ينهش عظامه كوحش جائع ومع كل وخزة كانت الكراهية تتكاثر داخله كالأشواك.
كره ظافر لأنه خذلها... خذل سيرين التي أطفأت عمرها في انتظاره ثم لم تجد منه سوى التجاهل.
كرهه لأنه فضل امرأة أخرى وترك والدته تحارب وحدها في مدينة لم تكن تعرف فيها سوى الجدران.
وكرهه أكثر لأنه لم يعلم بوجوده هو وزكريا أو ربما علم وتجاهل...
كيف يغفر لمن لم يعان من التنمر الذي ذاقاه
في أثينا
كم مرة انكمش نوح وزكريا في زاوية ملعب المدرسة يتهامسان ويكتمان الدموع لأن أطفالا أغرابا سألوهما بصوت مرتفع
أين والدكما من أنتما أبناء من
حينها لم يكن لديهما إجابة سوى الصمت... صمت كأن فيه اعتذارا عن وجودهما في هذا العالم.
كان قلب نوح ممتلئا حد الفيضان لكنه لم يبك... لأن الطفل الذي يوجع كثيرا لا يملك دموعا كافية لكل تلك الندوب..
فقط شد الغطاء عليه أكثر وحدق في ظلمة الغرفة كأن