رواية عشق لا يضاهى بقلم الكاتبة أسماء حميدة كاملة الفصل 190 ظافر وسيرين هروب دمية من اتحاد معذب

لمحة نيوز

 

لكن الحقيقة كانت تنبض أسفل كلماتها تُزمجر في صمتٍ قاتل... فهي لم تتوقّع يومًا أن يكون كارم هو من أرسل من اختطف أنس ولم تتخيّل أن الأمور قد بلغت هذا العمق... وهذا الخطر.
شعرت بقلبها ينكمش كقطةٍ مذعورة... لو لم تتصرف بسرعة لكانت الآن في عداد الأموات لا من أنس ولا من كارم... يكفيها فقط غدر ظافر.

أما ظافر، فكان كمن يقرأ سطورًا لا علاقة له بها. لم تلمس كلماتها شكًّا لديه، ولا ظهر عليه غضب... ففي أعماقه كان يفرق تمامًا بين كارم وسيرين ولم يكن ليتورط في مطاردة سرابٍ رسمته امرأة تتقن التمثيل أكثر مما تتقن البكاء.

قال ببرودٍ قاطع وهو يهمّ بالمغادرة:

"ينبغي أن ترتاحي جيدًا."

لكن دينا التي شعرت بالفراغ يُداهمها كهاوية نادته باستعجال وكأنها تُمسك بذراع الوقت قبل أن ينفلت من بين أصابعها:

"ظافر سمعتُ أنك لم تذهب إلى المكتب مؤخرًا... هل يمكنك البقاء؟ فقط... كن هنا لا أريد أن أبقى وحدي."

لم تكن تلك سوى نصف الحقيقة فما سمعته

لم يقتصر على غيابه عن العمل... بل علمت أيضًا أنه كان بصحبة سيرين في الآونة الأخيرة لذا كانت ضغينتها ضد غريمتها تشتعل كجمرٍ تحت الرماد لكن ظافر دون أن يُظهر أي انفعال ردّ بنبرة جامدة كالمعدن:

"حتى لو بقيت فلن أُسهم في شفائك سأضمن أن يُشرف على حالتك أمهر الأطباء."

ابتلعت دينا خيبتها وتراجعت عن استجدائها فهي تعرفه... وتعرف أن محاولة دفعه لفعل شيءٍ لا يرغب فيه تعني فقط دفعه بعيدًا أكثر فتنهدت وأبدلت توسّلها بتبريرٍ فارغ:

"هناك أمرٌ عليك معرفته... لم أتواصل مع كارم قط لذا لا سبب يجعله يرغب في قتلي، أليس كذلك؟"

لم يرد ظافر... لم ينبس بكلمة مجرد نظرة عابرة كانت آخر ما منحه لها ثم استدار وغادر الغرفة بخطواتٍ صامتة كأنها ظلال.

وما إن خرج من جناح المستشفى واستقلّ سيارته حتى أمسك هاتفه واتصل بماهر...

قطع صوت الهاتف سكون الليل حين سأل ظافر في آخر المكالمة:

"هل عادت سيرين إلى القصر؟"

وجاءه الرد كنسمةٍ باردة تعبر صدرًا متوترًا:

"

نعم سيدي... لقد عادت."

أغلق الهاتف ثم مال للأمام وقال للسائق بنبرةٍ تحمل استعجالًا غير مُعلن:

"خذني إلى القصر الآن."

انطلقت السيارة تسابق الوقت والقلق معًا بينما جلس ظافر في المقعد الخلفي صامتًا كجدار لكن داخله كان يغلي كغيمةٍ محمّلة بالرعد إذ ظلّ صدى كلمات دينا يتردد في رأسه كترنيمةٍ مشوشة يرفضها قلبه حتى وإن قبلها العقل.

كان يعلم أن سيرين بريئة من كل ما نُسب إليها لأنها ببساطة لم تكن هناك كانت معه... أقرب إلى أنفاسه من الهواء ومع ذلك لم يستطع نزع الغصة التي زرعها اسم كارم في صدره... لم يكن الأمر متعلقًا بشكٍّ بل بفكرة.

تلك العبارة وحدها كانت كافية لتهدم جبلًا من الثقة... فالرجل لا يطيق أن يُرى معشوقته في عيون سواه ولو كان العالم كله يعلم أنها له وقبل أن يغرق في مزيد من الهواجس كانت السيارة قد توقفت أمام بوابة القصر.

ترجّل منها بسرعةٍ تشي برجلٍ تُطارده نبوءة ما قلبه يخفق كما لو كان يُنبّه جسده من مصيبة لم تقع بعد.

ركض

نحو الباب يفتحه بلهفة لكن الداخل استقبله بظلامٍ دامس كأن المكان اختنق بالحزن وقرر أن يغلق عينيه.

تسللت البرودة إلى أطرافه وارتجف قلبه لا من البرد بل من الهاجس... وفجأة كما لو سُحبت الستائر عن ذاكرته إذ ترددت كلماتها في رأسه:

*"فكر في هذا جيدًا ظافر... إن رحلت إليها الآن فلن أفي بوعدي بعد ذلك."*

كأن صوتها خرج من بين الجدران، لا من ذاكرته القريبة فأصابه الذهول وشعر بشيء يشبه السكتة يخنق نبضه وإذا به يركض نحو غرفتها... يفتح الأنوار واحدة تلو الأخرى كمن يُنقّب عن الروح وسط العتمة وحين فتح باب غرفتها، أصابه الصمت كضربة خنجر إذ وجد الغرفة خالية وفراشها مرتب بعناية لكن عبيرها غائب كأنها رحلت دون أن تترك وراءها حتى ظلًّا يدلّ على حضورها.

تجمد في مكانه، لا يتحرك، عيناه فقط تسبحان في الفراغ كأن الزمن قد علّق اللحظة ليعذّبه.

*أحقًا رحلت؟*

كان جسده هناك لكن روحه كانت تبحث عنها في كل زاوية، في كل ظلّ، في كل احتمال.

كم من الوقت ستغيب

هذه المرة؟
وإلى أين ذهبت؟

لكن السؤال الأكبر...

*هل ستعود؟*

تم نسخ الرابط