رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة الفصل 191 ظافر وسيرين
اغرورقت عيناها بدموعٍ صامتة ثم قالت بانكسار:
"أتظنّ أنني أمرت كارم بأن يؤذي دينا؟"
سؤالها لم يكن اتهامًا بل كان عتابًا موجعًا كأن قلبها سقط على الأرض وانكسر فبعد كل تلك السنوات التي تسللت من بين أصابعها كما يتسرب الرمل من يدٍ مبللة كانت سيرين قد فقدت الأمل في ظافر فتسائلت لم يؤلمها ظنه السيء بها؟
اللعنة!! فرغم ما سكنها من رماد ما زالت تحترق من الداخل فحين شعرت باتهامه أحست وكأن خنجرًا غُرس في قلبها دون صوت.
أخذت دموعها تنساب ببطء لكنها لم تكن دموعًا عادية... كانت كالإبر، كل قطرة منها تنغرس في صدر ظافر تُذكّره بأنه جرحها دون أن يدرك مدى عمق الجرح.
قال بصوتٍ خافت كمن يحاول تبرير خيانته لطفلٍ يؤمن بالملائكة:
"دينا... أنقذت أمي من قبل لذا لا أريد لها أن تموت... إن كانت لديكِ مشكلة معها أخبريني بها مباشرةً... لا أن ترسلي رجلًا آخر ليحلّ عنكِ ما لا تجرئين على فعله."
كلماته لم تهدأ من تندي الصورة التي وضعها بها بل كانت الحجارة التي تُلقى في بئر بلا قاع.
نظرت إليه سيرين بعينين خاليتين من الحياة ثم ضغطت كلا راحتيها على
"وما الذي يجعلك تظن أنني منزعجة منها أصلاً؟ لماذا قد أطلب من كارم أن يؤذيها؟ هل لديك دليل؟ أم أن الظن أصبح عندك يقينًا؟"
صمت ظافر كمن وجد نفسه فجأةً أمام مرآة لا تعكس ملامحه بل تعكس ندوبًا كان يظن أنه يخفيها.
تابعت سيرين وكلماتها تنزف من بين شفتيها كقطرات دم:
"أنت... كنت السبب الأول في كل ما حدث بيني وبين دينا... في كل تلك العداوة التي نبتت بيننا كالأشواك كنت أنت البذرة."
ثم صمتت لحظة وأتبعتها بابتسامةٍ باهتة كأنها تسخر من ضعفها أو من ذاكرة لا تنسى:
"لقد مرّت خمس سنوات ظافر... خمس سنوات كاملة."
توقفت فجأة كأن في صدرها شيء يحاول أن يخرج... شيء ثقيل له شكل السؤال لكنه خرج كاعتراف مهزوم:
"ما الذي يجعلك تظن أنني لا أزال...؟"
تلعثمت ثم قالت وقد اختنق صوتها بالوجع:
"هل تظن أنني أحبك بما يكفي لأؤذي شخصًا آخر من أجلك؟"
هبت ريحٌ باردة في سكون الليل، كأنها رسالة من السماء تقول: *انتهى الدفء هنا.*
لكن ظافر الغارق في داخله لم يشعر بها
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة كأن الأرض تحت قدميه تسأله: *أتدري إلى أين تمضي؟*... ومن ثم قال بصوتٍ أقرب للهمس:
"ماذا قلتِ للتو؟"
نظرت إليه نظرة امتزجت فيها كل المشاعر:
الحب القديم، الحزن الساكن، والخذلان المتجدد، ثم قالت:
"أنا حمقاء... أجل، أعترف بذلك. لكنني لست حمقاء بما يكفي لأُدمّر حياة شخص طوال شهرٍ كامل كما تفعل معي... ولا أن أقتل إنسانة لأجل رجلٍ لم يعُد يهمّني."
شعر ظافر أن الهواء اختنق برئتيه كأن السماء بأكملها هبطت على صدره... في داخله عاصفة لا تُرى بل أخذت تقتلع أعصابه من جذورها وتُحرّك يديه قبل أن يعي ما يفعل... وبخطوةٍ غاضبة حاصر سيرين في الزاوية كمن يسجن قلبه داخل قفص صدرها ثم رفع قبضته وضرب الحائط بجوارها.. الضربة كانت عنيفة كأنها صفعت الصمت نفسه فاهتز الجدار وارتعدت سيرين التي لم تستطع أن تخفي ارتعاشتها.
خافت... ليس من ظافر وحده بل من ذلك الوجه الذي لم تره فيه من قبل، من تلك النظرة التي لم تكن فيه يومًا...
نظرة رجلٍ جُرحت كرامته بقسوة الحب.
أما هو فلم يكن يعرف ما الذي
كل شيءٍ فيه كان مضطربًا... وداخله يزأر بسؤال واحد متوهج:
*"هل كانت تكذب طوال هذه السنوات؟"*
مال إليها ببطء… حركته كانت ثقيلة وكأن كل ملي يقرّبه من هاوية لا خلاص منها وحين لم يتبقَ بينهما سوى شهقة قال بصوتٍ أجش يشبه جرحًا لم يُشفَ:
"هل تقولين… إنكِ لم تعودي تحبّينني؟"
كان صوته كسيفٍ بُتِر نصلُه في منتصف الضربة… لا غضب فيه، بل وجع رجلٍ لم يجد نفسه في عيني امرأته.
أما سيرين التي شعرت برجفة تلتهم أطرافها أدركت أنها تجاوزت الحد فهي
في لحظة انفعال قالت ما لم تُرِد قوله... رمت إليه بقنبلة الكلمات دون أن تفكر بعواقب الانفجار والآن إن أساءت الرد قد يلتقط خيطًا لا يجب أن يراه وقد تسقط خطتها من بين يديها كما يسقط الزجاج حين تفلت اليد المرتجفة.
شدّت سيرين على قبضتها كأنها تخنق قلبها بداخلها ثم تمالكت ملامحها وردّت بصوتٍ تكلّف الهدوء وهو يقطر جفاءً كاذبًا:
"لا أعرف… لا أعرف كيف يُفترض بي أن أحبّ رجلًا لم يحبّني أصلًا."
قالتها وهي تطعن نفسها قبل أن تطعنه...
قالتها وهي تعلم تمامًا أن ما بين الضلوع لم