رواية عشق لا يضاهي كامله كل الأجزاء الفصل 206 تمصير الكاتبة اسماء حميدة
ولسوء حظ "لين" التي ترتدي كعبًا عاليًا كانت روحها أكثر هشاشة من وقفتها؛ فإذا بها تترنّح وقد سقطت أرضًا في مشهدٍ رمزيٌّ لسقوط سلطانها الزائف... وها قد ارتطم جسدها بأرضٍ لطالما حسبتْها مُلكًا لها.
نهضت لين وهي تصرّ على أسنانها ومن ثم قالت والغضب يبتلع صوتها:
– "اخرجي من هنا سيرين... أنتِ غير مرحّب بكِ!"
قهقهت سيرين بضحكات فيها من السخرية ما يفوق الازدراء، وقالت:
– "أوه... وهل ظننتِ حقًّا أنكِ مالكة هذا المكان؟ أم كنتِ فقط تتقمّصين دور الملكة بينما لا تملكين حتى ظلّ التاج؟"
احمرّت عينا "لين" أكثر فتصاعدت الكلمات من صدرها كحممٍ من بركانٍ مكتوم:
– "ربما كنتُ خادمة، لكن لا تنسي مَن أنا هنا... لا تنسي ليلة رأس السنة، حين أبكاكِ الصقيع عندما أُجبرتِ على مغادرة القصر... كل ما
انكمشت الذكرى في صدر سيرين كجرحٍ لم يلتئم فهي تذكر تلك الليلة جيدًا... كيف أودى بها البرد إلى حافة الموت، وكيف سمحت دموع "لين" الكاذبة أن تُطرد من القصر كمنبوذةٍ بلا اسمٍ ولا قيمة... فعدنان والد ظافر المتصابي_ كان يفتتن بالبكاء أكثر من الجمال، وكان يُعامل "لين" كملكته المدللة لا كابنة خادم لأنها ببساطة نشأت بين جدرانهم فاعتبارها إحدى ممتلكاته الثمينة، بينما سيرين كانت دائمًا دخيلة صمّاء، مُعاقة، بلا نسب يحميها ولا سند يُنقذها.
تذكّرت كيف خرجت في ليلةٍ حالكة، وسط الثلج بثيابٍ لا تقيها سوى بالكاد من الموت، بينما "لين" كانت تبتسم من النافذة.
قالت سيرين بنبرةٍ مغموسة بالهدوء لكنها تحمل في طياتها مرارة قرونٍ من الذلّ
"لا حاجة لدموعك أمام السيد عدنان هذه المرة... سأغادر الآن، وحدي، بكامل إرادتي."
أطلقت كلماتها ولم تنتظر ردًا بل تحركت كمن تحرّر من قيده وارتدت ملابسها الجديدة كمن تتوشّح بدرعٍ من الكبرياء ثم تجاوزت الأخرى إلى الخارج بخطًى متزنة كأنها تدعس على رماد ماضيها.
لم تلتفت. لم ترتجف. لم تتوقف.
أما لين التي بقيت واقفة هناك تجمّدت نظراتها عند الباب الذي ابتلع ظلّ سيرين لا تصدق للآن أن تلك الصامتة قد نطقت... وأن تلك الضعيفة قد اختارت الرحيل دون رجفة في صوتها أو عثرة في قدميها.
راحت تتأمل الفراغ من خلفها، ولفّها الصمت الممزوج بذهولٍ متصلّب كأنها فقدت للتو خصمًا لم تكن تدرك أنه ندّها لكن الغيرة حين تخمد تترك رمادًا سامًّا في القلب.
بزفراتٍ متوترة أمرت لين أحد الخدم أن
"تخلّصوا من كل شيء يخصّها... لا أريد ظلّها عالقًا بين جدراني."
كان القصر أشبه بمتاهة من الأصداء الذاوية لكن سيرين سلكت طريقًا جانبياً لا يعجّ بالبشر كأنها تخترق عالمًا رماديًا بين الحياة والموت... كل خطوة لها كانت صدى للحظات مؤلمة... وحين بلغت بوابة القصر لم تكن تهرب بل كانت تُعلن ولادة جديدة.
أخرجت هاتفها تجري مكالمة... ولم تمر سوى ثوانٍ حتى جاءها الصوت:
"سيدة تهامي، أنا قريب من قصر نصران الآن."
كان صوت رامي حارسها الشخصي ومنقذها في اللحظات الأخيرة قد عاد مجدداً بعد أن كاد أنس يزهق روحها وأنقذها ظافر.
أجابت سيرين بصوتٍ هادئ لكنه حاسم كأنها تُسلم الزمام لشخصٍ أخير تثق به في هذا العالم:
"حسنًا، سأحتاج إليك الآن."
ردّها جاءه كنداء
"بالطبع. أنا قادم.