رواية عشق لا يضاهى تمصير الكاتبة أسماء حميدة الفصل 212
تفاجأ بنفسه… حتى هو لم يتوقع أن ينهار صمته بهذه السهولة فقد سألها هذا السؤال من قبل، يوم كان الظلام لا يزال يتسع بينهما، فأجابته حينها بأنها لا تعرف. والآن ارتجفت في وقفتها وبدا على وجهها أثر الصدمة، ثم قالت...
"نعم..."
كلمة قصيرة نُطقت بهمسة كاعتراف غير مكتمل أو رجاء مغلف بالخداع… كانت لهجتها وديعة، محايدة، لا تحمل حرارة الاشتياق، ولا برودة الكره. لكنه شعر باضطراب في صدره لا يعلم إن كان فرح أم حزن فوجد نفسه ينظر بعيدًا وعيناه تجولان في فراغ الغرفة كأنهما تهربان منها وقال بنبرة مُحمّلة بالبرود المتعمد:
"احزمي أغراضكِ... سنعود بعد قليل."
ثم أضاف دون أن يلتفت نحوها:
"لا داعي للاعتذار من لين... لقد غادرت البلاد البارحة، ولن تعود مجددًا.
عبارته الأخيرة كانت أشبه بقفلٍ يُغلق بابًا إلى الأبد… لم تستفسر سيرين عن التفاصيل، لم تسأله إلى أين ذهبت لين، أو لماذا رحلت. بدا الأمر كما لو أن جزءًا منها قد أُطفئ عمداً فاكتفت بالصمت ثم استدارت بخُطى هادئة لتحزم حقائبها… تمشي لا كمن يعود إلى قصر، بل كالذي يسير إلى مصير يساق إليه.
في قصر نصران، حيث تتعالى الجدران شاهقة كالأسرار وتنساب الأرواح كالغبار في الضوء، جلست شادية مع كوب الحليب الساخن.. نظرتها ثابتة، مشوّشة، تتقاطع فيها دهشة المكتشف مع مرارة الاعتراف... لقد بلغها ما جرى البارحة مع لين وها هي الآن تغلي من الداخل في صمتٍ يشبه البركان المُبتسم.
همست لنفسها دون صوت:
"كنت أظن أن سيرين امرأة ساذجة... يبدو أنني كنت غافلة،
وضعت شادية الكأس جانبًا بحركةٍ متباطئة، ثم التفتت إلى ماندي سكرتيرتها التي كانت تقف قربها كظلٍ لا يغادر:
"غدًا هو يوم المهرجان... هل يعني هذا أن مالك سيأخذ استراحة؟"
أومأت ماندي برأسها كمن يؤدي طقسًا معتادًا، وأجابت بصوت هادئ:
"نعم سيدتي درسه ينتهي عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا اليوم."
رفعت شادية ذقنها وقالت وكأنها ترسم خطة لا تخصّ أحدًا سواها:
"سأذهب لأخذه بنفسي. أحضري الألعاب التي اشتريتها له جميعًا."
أجابت ماندي بامتثالٍ خافت:
"مفهوم."
لكن الحقيقة لم تكن في الألعاب ولا في المهرجان ولا حتى في مالك... كانت شادية تبحث عن مبررٍ مرهف كي تقترب من زكريا، الطفل الذي هزّ داخلها شيئًا لم تعترف بوجوده من
وفجأة قطعت مدبرة المنزل شرودها وهي تدخل برفق:
"سيدتي... السيد ظافر والسيدة سيرين وصلا."
لم تتحرك شادية من مكانها بل اكتفت بالبقاء على أريكتها حيث انعكست في عينيها نظرة غامضة كأنها تتنبأ عاصفة ومن ثم قالت بهدوء بارد:
"أفهم..."
بعد أن تفرّق من حولها الجميع، تركت الغرفة وصعدت وحدها إلى العلّية... فتحت الباب فاستقبلها الصمت وكان كل شيء مغطى بملاءات بيضاء كما لو أن المكان يرتدي الحداد.
تقدّمت شادية بخطًى متوجسة تنظر إلى الأثاث الباهت كأنّه أطياف زمن لم يمت تمامًا ولم يعد حيًّا أيضًا.
وقفت للحظة ثم أخرجت هاتفها، وبأصابع مرتجفة كتبت رسالة قصيرة
لكن ما لم تكتبه كان أعظم مما كُتب.