رواية عشق لا يضاهى تمصير أسماء حميدة الفصل مائتان ثلاثة وخمسون 253
سيدتي فاطمة عليك أن ترتاحي قليلا صحتك لم تعد كما كانت.
أومأت فاطمة بتثاقل
صدقت يا ابنتي... ستؤنبني سيرين مرة أخرى عندما تعود.
قالتها ثم أخذت نوحا و سارت به إلى غرفة المعيشة ليستريح و جلست قبالة التلفاز تتابع نشرة الأخبار كان المذيع يتحدث بحماسة مصطنعة صوته أشبه بمن يسكب الزيت على نار
في أعقاب المغنية الشهيرة دينا... تراجعت أسهم مجموعة نصران بشكل متسارع و حتى الآن لم يصدر أي تعليق من الرئيس التنفيذي ظافر نصران.
تشنجت أصابع فاطمة وهي تشد قبضتها ثم تمتمت بغل مكتوم
ينال ما يستحقه أخيرا.
دوى صوت الباب في تلك اللحظة فارتج قلبها و سارعت لإطفاء التلفاز و من ثم هرولت بخطوات قلقة نحو المدخل لتستقبل القادمين الثلاثة.
وما إن وقعت عينا كوثر على نوح و زكريا معا حتى اتسعت نظرتها بالدهشة
سبحانك يا الله... ملائكتي الصغيران دعاني
لكن نوح بطريقته الماكرة التي تفوح منها براءة الأطفال و حكمته الغريبة رفع حاجبيه و قال بخفة
كوكي لقد كبرنا أنا وزكريا
ضحكت كوثر رغم غصتها فصوت نوح و هو يناديها باسمها الحقيقي كان كالماء البارد على قلب عطش منذ زمن لولا خوفها عليه فاكتفت بأن بنظراتها وتقول بصوت متأثر
أنت طفل مبارك يا نوح... زاك عليك أن تتعلم من أخيك إنه قلب يمشي على قدمين.
أما زكريا فظل يرقب المشهد بدهشة عابرة إذ شعر للحظة أنه غريب في حفلة من العاطفة لا يعرف ألحانها ثم أدار وجهه بهدوء وتركهم جميعا متجها نحو فاطمة وكأنه يبحث لديها
حل المساء بعد ساعات من الهدوء المشوب بالدفء كان العشاء قد انقضى و الراحة قد تسللت إلى المتعبة حتى غفت المدينة الصغيرة على الليل في الغرفة نامت سيرينوكوثر يحيطهما سكون ثقيل لا يقطعه سوى تنفس هادئ مع صوت الريح وهي على زجاج النافذة كأنها تهمس بسر لا يسمعه سواهما.
استدارت كوثر برفق نحو سيرين يلمع في عينيها سؤال يثقل صدرها وقالت بصوت خافت يقطر حيرة
سيرين هل تنوين البقاء هنا إلى الأبد
أغمضت سيرين عينيها للحظة ثم فتحتها وقد غمرهما وهج داخلي يحمل شيئا من الشجن وأجابت ببطء
في الوقت الحاضر نعم.
سكتت قليلا كأنها تعيد جمع أشلاء كلماتها قبل أن تتابع
فاطمة تكبر يوما بعد يوم والعلل فيها تزيد لا أطيق أن أجرها معي إلى الترحال و قد أنهكتها الرحلات و حرمتها من استقرار تستحقه.
انحدرت ابتسامة باهتة على وجهها و هي تشرح كأنها تعتذر
و ثم إن فاطمة لا تتقن لغات الغربة و باستثناء المربية لا أحد يفتح لها باب الحديث أو يسند وحدتها تركها هناك كان و كمن يلقي قلبا ضعيفا في بحر صامت.
كانت كلماتها مغموسة بامتنان دفين امتنان أثقل روحها بقدر ما أراحها فهي تدرك كم من العمر أفنت تلك المرأة في رعايتها و كم من الأحلام أرجأت لأجلها.
اقتربت كوثر و في نبرة امتزج فيها الخوف بالرجاء همست
لكن ماذا لو عاد ظافر يبحث عنك
ساد الصمت كأن الليل نفسه توقف مترقبا رفعت سيرين رأسها قليلا و ارتسم على محياها مزيج من التيه و العناد وأطلقت ابتسامة غامضة لا تدرك ملامحها قبل أن تقول ببرود يكسوه غموض
لا أعلم.
كان جوابها أقرب إلى لغز يذوب في العتمة كمن تلقي الكلمات في بئر عميق لتتردد أصداؤها