غرام عكس التيار جميع الفصول كامله تمصير الكاتبة أسماء حميدة الفصل الثاني 2

لمحة نيوز

قائد الحراس يحادث رجلا بدا وكأنه خرج لتوه من رحم الموت ثم فجأة استدار الرجل.
كانت تلك اللحظة كأنها خلقت لأجلها فقط أول مرة تراه فيها بكامل ملامحه تحت ضوء لا يخون.
وجهه الشاحب بدا كقمر مثقوب وسامته لا تطمئن بل تثير ارتيابا غريبا في أحشائها وكأنها أمام لغز نحت من الجمال والخطر معا.
لم يتحرك لكن وقوفه وحده كان يكفي لإشعال الرعب في الهواء كأنه ظل تمرد على صاحبه أو سر تحول إلى جسد وبالرغم من أنه بدا كأي رجل إلا أن شيئا في حضوره كان يصرخ أنا لست منهم... أسرار تتلوى في ملامحه معان لا تقال وشظايا حياة لا تروى.
قالت في سرها وقد اتسعت حدقتاها كمن يشهد معجزة
إنه يتعافى بسرعة غير طبيعية وكأن جسده يرفض الموت.
همت أن تتكلم أن تخرج ما ظل عالقا بين صدرها وحنجرتها غير أن صوته سبقها ناعما كالسم باردا كحد السكين يحمل بين طبقاته قسوة لا تقال لكنها تشعر
ماذا تريدين
تجمدت الكلمات في حلقها كما لو أن السؤال كان سهما طائشا أصابها في الروح.
. أجابت بدهشة يملؤها الذهول
ماذا
كان سؤاله أقرب إلى صفعة لا توجع الجسد بل تشتت الفكر وتغرق الوعي في لجة من الاحتمالات.
اقترب منها خطوة وبالرغم من
أن صوته لم يرتفع لكنه كان ملأ الفضاء من حولها.
نظر إليها بعينين باردتين خاليتين من أي معنى أو دفء وقال بنبرة لا تحمل أثرا للامتنان
لقد أنقذت حياتي... لذلك سأمنحك أمنية ماذا تريدين
ارتبكت چوانا وتحولت كلمات الرجل إلى ومضات برق تصدح في رأسها كأنها صدى لرعد لا يهدأ يضرب أعصابها بلا رحمة.
ثم وكأن شرارة اندلعت في صدرها فانفجرت الكلمات من فمها كطلقة طائشة
يا له من جفاء! أنقذتك من فم الموت ولم تملك حتى أن توفيني حقي بكلمة شكر! حتى عرضك هذا يفوح بغطرسة فجة أيها الأحمق
ما إن خرجت حروفها حتى عم الصمت كأن الزمن توقف ليصغي والتفتت عيون هؤلاء المصطفين خلفه كجيش دفاع نحوها يرمقونها بذهول عن نوايا خفية أو جنون طافح.
أما هو... ذلك الرجل الغريب فبقي جامدا كتمثال حفر في الرخام لا طرفة عين ولا رعشة في عضلة وجهه لكن صوته انساب بعدها كنصل بارد ينزلق على العنق
ستندمين... إن ضيعت الفرصة.
تسرب الغضب في شرايينها كسم دافئ لكن عقلها كان كربان يترنح على متن مركب متهالك وسط بحر لا يعرف الرحمة فقالت بتراجع
قاربي لن يصمد في هذه الأمواج... والبحر لا يعرف الشفقة.
صمتت للحظة فهي تعلم أن الحظ قد
غادرها وتركها تواجه لعبة الحياة وحدها تلك اللعبة التي قد تنقلب في لحظة إلى مأساة لا رجعة منها.
ضغطت على أسنانها كأنها تحاول أن تقضم حيرتها ثم قالت بصوت مكتوم
أعيدوني إلى المنزل.
رمقها الغريب بنظرة باردة عميقة كمن يرى في طلبها خيبة أو سذاجة لا تليق بالمكان.
هذا كل شيء
سؤاله كان كالسياط لا يجلد الجسد بل يجلد الطموح.
أجابت دون أن تبرق في عينيها أي رغبة فقط حاجة عميقة للهروب
هذا كل ما يهمني الآن... ربما فيما بعد سأملي عليك أمنياتي
أمنيتها الوحيدة التي ظلت تخبئها خلف ضلوعها كانت بسيطة... النجاة من هذا الكابوس الحجري... أجل فجزيرة مهجورة كتلك حتما محاصرة بالأشباح بدت كقبر مفتوح ينتظرها أن تستلقي فيه وقد آن لها أن تهرب قبل أن يسد الغطاء.
نظر إليها مجددا وهذه المرة لم يخف سخريته كأنه يرى طفلة تظن نفسها قادرة على اقتحام نيران لعبة الكبار ثم التفت نحو المروحية بخطى بطيئة كل خطوة منه كأنها تصفع الأرض.
تبعته چوانا دون كلمة في صمت يشبه انسحاب القمر خلف غيوم الشتاء.
مرت ثلاث ساعات كأنها ثلاثة أعوام والمروحية تقاوم السماء تصارع رياحا ملأى بالمجهول حتى بدت المدينة تحتهم كلوحة
قديمة بعثت من الرماد.
كانت السماء ملبدة كأنها تخبئ شيئا في قلبها.
هل هذا هو المكان
سألها الرجل ببرود أشبه بصفعة جليدية وهو يشير إلى قصر عتيق بدا كأثر من زمن مضى قابعا وسط الغيوم كروح تائهة ترفض الرحيل.
أجابت چوانا وصوتها متكسر تحت ثقل الذكريات
أظن ذلك...
كانت تحاول الإمساك بخيوط الذاكرة تلك التي تفلت دوما من بين يديها فهي لا تتذكر الكثير عن طفولتها فقط شذرات ضبابية صورا مهشمة كزجاج طعن بحجر... لكنها كانت كافية لتقودها إلى هذا المكان هذا القصر الذي حمل ملامح العائلة التي اختفت من حياتها كما تختفي الشمس خلف الغروب.
من المفترض أن يكون هذا القصر لعائلة المفتي لكن كل شيء قد تغير إذ أصبح ملكا لرجل واحد رجل لم يكلف نفسه عناء البحث عنها حين ابتلعتها العزلة لعشر سنوات كاملة إنه والدها... رجل جاحد صنع من الغياب وطنا ومن الصمت إرثا.
قطع الغريب السكون بأمر حازم
أنزلوا.
فأجابه الطيار على الفور كما لو أن الصمت نفسه انحنى
أوامرك سيدي نحن على وشك الهبوط.
رواية غرام عكس التيار تمصير الكاتبة أسماء لمتابعة مواعيد نشر الرواية يرجى الانضمام إلى جروبنا المتواضع روايات عالمية بنكهة
عربية أو متابعة صفحتي الشخصية روايات أسماء حميدة

تم نسخ الرابط