لمياء جلیلی الابنة الثالثة الأكثر عديمة الفائدة لعائلة جلیلی كاملة جميع الفصول
وخلعت حذاءها كي لا توقظه.
تأملت وجهه قليلا لتتأكد من نومه قبل أن تقترب من إحدى الآلات.
رغم الظلام الدامس لم يعق ذلك حركتها.
هذه كانت موهبتها الخفية. في الظلام لم تكن رؤيتها تتأثر ويمكنها حتى القراءة والكتابة دون أي مشكلة.
كما أنها لم تكن تحتاج إلى الكثير من النوم ساعة أو ساعتان كانتا كافيتين لاستعادة نشاطها. كانت تخفي هذه الاختلافات لتعيش بشكل أفضل في عائلة جلیلی.
تحركت في الغرفة وكأنها في وضح النهار.
لم تلمس أي جهاز بل اكتفت بمراقبة كل منها بعناية لتدوين وظائفها وإعداداتها.
لم تمكث طويلا في الغرفة.
فقد كانت هذه أول مرة تتسلل فيها إلى غرفته لذا تصرفت بحذر شديد خشية إيقاظه.
وبعد أن أنهت مراقبة الأجهزة التفتت إليه فوجدته لا يزال نائما بسلام فشعرت بالارتياح.
ترددت قليلا ثم اقتربت من السرير لتتأكد من حالته.
بدت ملامحه شاحبة وعليه آثار المرض واضحة. بالنسبة لمريض يعاني من إصابة خطيرة في الحبل الشوكي ويبقى في الفراش لفترة طويلة كان ينبغي أن يكون أنحف بكثير.
ومع ذلك بدا جسده قويا.
لم تستغرب ذلك فالسيد المصدق حریریان لم يبخل على حفيده بالعناية والتغذية.
لم تستطع إلا أن تفكر في ذلك الرجل المسن الذي لا يزال يحمل هم حفيده في هذا العمر.
تنهدت بخفة وهمست لا تكن ضعيفا هكذا حتى لا يحزن الجد.
لو كان جدها يهتم بها كما يفعل السيد المصدق حریریان مع حفيده لما استطاعت أن تحزنه.
وبعد مغادرتها الغرفة فتح محرز حریریان عينيه فجأة وهو يفترض أنها لم تلاحظ استيقاظه.
جال بنظره البارد أنحاء الغرفة فلم يلحظ شيئا غير مألوف في الظلام.
في الحقيقة كان مستيقظا منذ دخولها الغرفة.
كان بإمكانه أن يتكلم ليخيفها لكنه آثر الصمت.
أراد أن يراقب ما تنوي فعله.
هذه المرأة التي اختارها جده زوجة له تبدو مستعدة
كان يشعر بفطرته أن لمياء قد تشكل تهديدا له.
حتى إنه خطر له للحظة أن موته على يدها قد يكون راحة له... فالموت نهاية لكل شيء.
لكن بعد طول انتظار لم تفعل شيئا سوى الاقتراب منه وهمس تلك العبارة.
ضيق عينيه حيرة عاجزا عن فهم هذه المرأة.
جاءه صوت مساعده ياسين لاهوتی عبر السماعة سيدي هل نتحرك لإحضارها
فأجابه محرز حریریان لا داعي فقط راقبها.
كان ياسين لاهوتی دائما يطيع أوامره دون سؤال. لذا حتى عندما لاحظوا دخول لمياء الغرفة في وقت سابق لم يحركوا ساكنا.
منذ أن استيقظ محرز من الجراحة كان يضع سماعة أذن صغيرة ليتمكن رجاله الموثوقون من سماع أوامره في أي وقت.
كان هؤلاء الرجال أصدقاء أوفياء له منذ أكثر من عشر سنوات. يريدون الانتقام لمحرز بسبب الحادث الأخير.
مع ذلك كان قد أوصاهم بعدم كشف أنفسهم مهما حدث في غرفته إلا إذا طلب منهم ذلك تحديدا.
ومع ذلك ظل ياسين لاهوتی ورفاقه يشكون في أمر المرأة التي تسللت إلى غرفة محرز رغم أنها المرأة التي جلبها السيد المصدق حریریان لتكون زوجة لقائدهم.
قال ياسين لاهوتی باقتراح سيدي إن لم تكن ترغب بها أستطيع أن أوكل أمر قتلها لأحدهم فورا.
قطب محرز حاجبيه وبدت نظراته أكثر قتامة. نحن نعيش في مجتمع يحكمه القانون. نحن أناس متحضرون!
سكت ياسين لاهوتی وقد شعر بأن هناك أمرا غير معتاد.
لم يسبق لقائدهم أن تحدث عن التحضر عند التعامل مع الأعداء.
لكن إحساسه بالخطر منعه من قول المزيد. سيدي عليك أن ترتاح.
لم يعلق محرز واكتفى بالتحديق في السقف.
كان يريد معرفة نوايا تلك المرأة ومن أرسلها وما صلتها بمن أرادوا قتله.
دون أن تدري أن محرز لاحظ تصرفاتها وأصبح يشك في أمرها عادت لمياء إلى غرفتها وفرشت مجموعة من الورق المقوى الأبيض على
اعتمدت على ذاكرتها في رسم جميع الأجهزة التي شاهدتها.
كان ذلك أسلوبا بسيطا لكنه ضروري.
لم تستطع تشغيل أجهزة محرز فورا إذ لم تطلع على سجلاته الطبية ولم تفهم الأجهزة جيدا. فقد يؤدي الضغط العشوائي على الأزرار إلى إيذائه.
لذا قرر ت ألا تلمس الأجهزة قبل أن تفهم آلية عملها تماما وبدلا من ذلك ستصنع نموذجا مصغرا بنفسها.
في تلك الليلة حفظت لمياء وظائف الأجهزة ورسمت مخططاتها وفي اليوم التالي ستشتري المواد وتبدأ في صنعها.
كانت لدى لمياء موهبة أخرى فهي تستطيع إعادة رسم الأشياء بدقة مما تراه.
ورغم أنها لا تبتكر إلا أنها بارعة في التقليد.
للأسف منذ عودتها إلى عائلة جلیلی لم تتح لها الفرصة لاستخدام هذه الموهبة.
عندما أنهت الرسم كان الصباح قد أتى. طوت لمياء رسوماتها ووضعتها في حقيبتها.
كان لديها عملية جراحية في الصباح وتحتاج لمن يشتري لها المواد.
لذلك غادرت لمياء إلى المستشفى قبل ساعتين من موعدها المعتاد واتجهت إلى زقاق قريب من المستشفى وتوقفت عند مقهى عادي المظهر.
استقبلتها صاحبة المقهى وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها بحرارة. أنت هنا! لاتيه وكروسان لاتيه أخرى
أومأت لمياء برأسها وجلست إلى طاولة قريبة من المطبخ.
قالت لصاحبة المقهى عرضا هاجر هل يمكنك تسخين الكروسان أكثر قليلا
ابتسمت هاجر وأحضرت إفطارها بسرعة.
لاحظت لمياء أن الكروسان أكبر من المعتاد مقارنة بما يقدم للزبائن الآخرين لكنها لم تعلق.
بعد الإفطار دفعت لمياء الحساب وقالت هاجر سأستخدم الباب الخلفي اليوم لأشتري بعض الأشياء.
عادة ما كانت لمياء تدخل وتخرج من الباب الأمامي الذي كان قريبا بشكل مريح من مدخل المستشفى.
لكن فقط عندما تحتاج إلى شراء شيء من السوبرماركت الصغير الموجود في الخلف كانت تطلب الإذن من
ابتسمت هاجر وقالت لا داعي لإخباري كل مرة سبق وأخبرتك بذلك.
ابتسمت لمياء ودخلت المطبخ بسرعة وأخرجت رسوماتها وقائمة مفصلة من حقيبتها وخبأتها في إحدى الخزائن.
دون توقف توجهت إلى السوبرماركت اشترت بعض السكر ثم عادت إلى المستشفى.
سارت الأمور بسلاسة ودون أي عراقيل.
بعد سماعه لتقرير ياسين لاهوتی ازدادت شكوك محرز.
قال ياسين لاهوتی موضحا سيدي الآنسة لمياء تزور هذا المقهى قبل كل عملية جراحية. على الرغم من أنها تناولت الإفطار مع السيد المصدق حریریان هذا الصباح إلا أنها ما زالت تأخذ كروسان. ربما هذا أسلوبها في رفع معنوياتها.
ازداد عبوس محرز.
ربما نظر إلى نقطة في الثريا وانخفض صوته فجأة. ياسين لاهوتی منذ متى بدأت بإصدار أحكام بناء على التخمين
حتى من خلال الشاشة شعر ياسين لاهوتی بعدم رضا رئيسه. أعتذر السيد حریریان. كان خطأي.
قال محرز واصل المراقبة.
نعم أجاب ياسين لاهوتی.
كانت العملية التي أجرتها لمياء بسيطة ولم تستغرق سوى نصف ساعة.
لم يكن من المفترض أن تعمل اليوم لكنها كانت تغطي عن طبيب اضطر للغياب بسبب حالة طارئة.
بعد الجراحة غادرت لمياء المستشفى.
ذهبت إلى مركز تجاري وتسوقت كأي امرأة أخرى واشترت ملابس وأحذية أعجبتها.
أمضت فترة بعد الظهر في التسوق حتى تجاوزت الساعة الرابعة ثم دخلت إلى دورة المياه في المركز التجاري لتبدل ملابسها وحذاءها الجديدين إلى جانب أشياء سبق أن تركها أحدهم هناك.
بعدها استقلت سيارة أجرة عائدة إلى منزل عائلة حریریان.
وبالصدفة خرج الجد حریریان من غرفة محرز ولاحظ أكياس التسوق مع لمياء فسألها عرضا هل ذهبت للتسوق أجابت لمياء نعم جدي فقط اشتريت بعض الملابس الجديدة على أمل بداية جديدة.
لم يبد السيد المصدق حریریان أي انزعاج