رواية عشق لا يضاهى كاملة بجميع فصولها الفصل مائتان اثنان وستون 262 تمصير الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الطفلان جفونهما متصنعين النوم حتى إذا ما ابتعدت فاطمة وأغلقت الباب خلفها انبثقت من بين أنفاسهما همسات خافتة كطيور تتهامس في عشها ليلا.
قال زكريا بصوت حذر عينيه تلمعان في الظلام كأنهما تترقبان شبحا
نوح... لم تترك أي أثر خلفك حين غادرت قصر الغابة أليس كذلك
ارتسمت على شفتي نوح ابتسامة واثقة كابتسامة لاعب يخفي ورقته الرابحة
بالتأكيد لا... لقد استبدلت كل شيء حتى فرشاة أسناني وشعري.
كان قد تخلص نوح من فرشاته وخدع الخادمة بأن طلب استخدام فرشاة طفلها وتركها دون استعمال في حمام الغرفة وهكذا حين طلب ظافر إجراء فحص الحمض النووي لم يجد العلماء خيطا يربط بينه وبين نوح لقد نفذها نوح يومها كحيلة احتياطية لكنه لم يتوقع قط أن تنقذه من فخ محكم.
أومأ
زكريا بخفوت وقد ارتسمت على ملامحه ظلال تفكير عميق
حسنا...
لكن نوح لم يترك شقيقه يغرق في صمته بل أردف بنبرة فيها عتاب مشوب بقلق
زاك... أظن أنك تحتاج إلى مزيد من الحذر. كاد أن يقبض عليك في المرة الأخيرة حين سرقت المال من ذلك الرجل.
ارتعشت أنفاس زكريا ثم تنفس ببطء وهو يتقلب على جانبه
لم أكن أتصور أنه قادر على ملاحقتي بتلك السرعة...
تمتم نوح بنبرة مشوبة بثقل الإدراك
لو لم نعد مع أمي هذه المرة لربما كان ألقى التهمة عليها.
ساد صمت قصير صمتا مشبعا بخوف دفين حتى أن زكريا ذلك الذي يتظاهر دوما بالشجاعة لم يستطع إخفاء الارتجافة التي زلت في صوته
حسنا... لننم الآن.
لكن النوم لم يقبل على نوح إذ كانت عظامه تؤلمه كأن الليل يقرصه من الداخل ففتح عينيه
إلى السقف المعتم وهمس بجملة معلقة بين الغضب والعزم
زاك... هل سنترك هذا الظافر يرحل بلا عقاب
ابتسم زكريا ابتسامة ماكرة كسيف يسحب من غمده في هدوء
لا تقلق... قبل أن نغادر زرعت فيروسا صغيرا في نظام شركتهم.
اشتعلت عينا نوح بالفرح كأن شعلة أضرمت فيهما
رائع... أحسنت يا زاك!
وهكذا في غرفة غارقة في سكون الليل كان قلبا طفلين يحاكمان العالم على طريقتهما يحولان خوفهما إلى خطة ووجعهما إلى انتقام مؤجل.
كان ظافر غارقا كمن يحاول إطفاء حريق يتأجج في داخله غير مدرك أن هناك نارا أخرى تزرع بصمت في عقر شركته فكيف له أن يتخيل أن الأطفال الذين يراهم دوما مجرد ظلال بريئة قادرون على صناعة عاصفة لا يتخيلها عقل.
وفي الوقت ذاته بعيدا عن ضجيج كؤوسه ورائحة التبغ
العالقة في جوفه كان المقر الرئيسي لمجموعة نصران يستيقظ على فوضى غير مسبوقة فمع شروق شمس اليوم التالي بدأت الشاشات العملاقة في قاعة المراقبة ترقص على إيقاع عطب غامض إذ أضاءت الشاشات ثم أطفئت كعيون مبهورة بضوء خاطف تعرض صورا مشوهة تومض بلا نظام وكأنها أطياف عالقة بين يقظة وكابوس صور باهتة محورة بيد هاوية تتكرر بلا نهاية على الجدران الزجاجية كأنها انعكاسات أرواح ضلت طريقها وقررت السخرية من النظام كله.
أخذ الموظفون يحدقون في الفوضى بذهول أحدهم يصفع لوحة المفاتيح وآخر يعبث بأزرار لا تستجيب فيما بدا المكان كله كأنه مسرح تتلاعب به قوة خفية كان الخراب قد بدأ يتسرب إلى أنظمة الشركة مثل دودة صغيرة تخترق ثمرة ناضجة بينما ظافر ما يزال يظن أن
العالم يسير كما يشتهي.

تم نسخ الرابط