رواية انتقام الوريثة كاملة إلى النهاية الفصل 26 أسماء حميدة
الفصل 26
ترددت صرخة إيان في بطن السلم الحجري كأنها استغاثة رجل يصارع غرقه في بحر لا يرى له نهاية
سيدي سلفادور... لا أستطيع فعل هذا بعد الآن!
كانت أنفاسه المتقطعة تصعد مع صدى صوته تلهث في الفراغ مثل طريد أنهكه الهروب كل درجة أمامه بدت كجبل يعلو وكل خطوة كأنها تنتزع من رئتيه انتزاعا فالفندق شاهق سقفه عال إلى حد يجعل سلم الطابق الواحد يبدو كسلسلة جبال 000000000 وعند الطابق الثامن كان العرق قد غمر وجه إيان وساقاه ترتجفان كوتر مشدود أوشك على الانقطاع يلتقط أنفاسه بصعوبة كأن الهواء صار نادرا في هذا الارتفاع يتشبث بدرابزين السلم كمن يتمسك بالحياة ذاتها لكن جاستن لم يتوقف
لم يلتفت حتى بل كان يصعد بخطوات متزنة وجهه جامد كصفيحة من الحديد وصوته حين خرج كان هادئا حازما يخترق الصمت بثقة الجبال
لا يليق بالرجل أن ينهزم أمام درجات من الإسمنت... تبقى طابقان فقط أسرع إيان.
كان ذلك الأمر البسيط في ظاهره يحمل في طياته وزن حياة
الحرارة الألم الجوع كلها كانت أصدقاءه القديمة وبعد تقاعده لم ينس دروس الحرب فاستبدل ساحات القتال بصالات الرياضة وبقي جسده آلة من العزم لا تعرف الوهن.
كان يستطيع لو أراد أن يتسلق عشرين طابقا إضافيا دون أن يختل إيقاع أنفاسه فقد قضى لياليه في الجيش يعدو ثلاثين لفة كاملة تحت المطر فيما الوحل يغمر قدميه والريح تصفع وجهه لكنه لم يتوقف يوما.
وأخيرا حين لامس حذاؤهما الدرجة الأخيرة من الطابق الأربعين كان الفرق بينهما واضحا كالفصل بين الحديد والطين إذ انهار إيان على الأرض أنفاسه تتلاحق بعنف كأن صدره على وشك الانفجار وقطرات العرق تنهمر منه كحبات زجاج تسقطها السماء وفجأة كسر الصمت صوت يقول
السيد سلفادور
استدار جاستن فوقع بصره على رجل يتقدم نحوه بخطوات محسوبة وعلى شفتيه ابتسامة رسمية خالية من الدفء كان الرجل أنيقا بصورة تثير الريبة أكثر من الإعجاب وسيم الملامح إلى حد يكاد يفقده الرجولة في نظر من يمعن النظر إليه وجهه صغير كوجه طفل متعب ملامحه مصقولة كأن الزمن لم يترك فيها أثرا يخبر عن عمره الحقيقي.
قال وهو يمد يده في لباقة مصطنعة
أنا ستيفن السكرتير الخاص بالسيدة تومسون السيدة تومسون تنتظرك منذ وقت طويل تفضل معي من فضلك.
ارتجف جفن جاستن للحظة ولمع في عينيه ضيق واضح يكرر بغيظ دون صوت
تنتظرني منذ وقت طويل أكانت تلمح لتأخري أم تسخر من عنائي في صعود الأربعين طابقا
كظم جاستن غضبه في صدره وقال ببرود لاذع يحمل نصل السخرية
قدماي بالتأكيد ليستا بسرعة المصعد... آمل ألا تجد السيدة تومسون مشكلة في ذلك.
لكن ستيفن لم يكلف نفسه عناء الرد بل استدار في هدوء مقيت وسار أمامه بخطوات صامتة ثابتة كأن الأرض تعرف موطئ قدميه
همس إيان الذي لحق بسيده ما زال صدره يعلو ويهبط من التعب غاضبا
ما هذا الغرور! أي استقبال هذا!
رفع جاستن يده ليوقفه دون أن ينظر إليه وصوته جاء حادا كصفعة خفيفة
انتظرني هنا.
ثم مضى خلف ستيفن نحو الباب الكبير الذي يفضي إلى مكتب المدير العام وعند العتبة توقف لحظة يستنشق الهواء بعمق كمن يستعد للغوص في بحر لا يدري أين ينتهي.
الغريب أنه لم يعرف طعم التوتر من قبل
لقد وقف في ميادين النار فاوض رجالا ذوي سطوة وتحدى عواصف الشركات الكبرى...
لكن وجهها الذي لم يره بعد كان كافي ليربك اتزانه متشوقا لرؤية تلك المرأة التي حيرت حتى خصومها بيلا تومسون.
طرق ستيفن الباب بخفة مدروسة وساد صمت قصير قبل أن يخترق بصوت أنثوي جاء من الداخل
ادخل.
فتح ستيفن الباب برفق كمن يفتح بوابة إلى مشهد حاسم في مسرحية مكتوبة بعناية وأشار بيده إلى الداخل قائلا بصوت رسمي خافت
تفضل سيد سلفادور.
شعر جاستن بجفاف في حلقه كأن الهواء عالق بين أنفاسه ومن