رواية انتقام الوريثة كاملة إلى النهاية الفصل 26 أسماء حميدة
وقار مدروس يتقدم إلى الداخل بخطوات هادئة تفيض بثقة جامدة تخفي خلفها ارتباكا خافتا.
في الغرفة المجاورة جلست بيلا تومسون أمام شاشة الكمبيوتر وقطعة شوكولاتة داكنة تذوب ببطء بين شفتيها بينما عيناها تحدقان في الشاشة بتركيز كصقر يراقب فريسته من بعيد.
على الشاشة ظهرت الشابة التي تؤدي دورها الجديد تجلس خلف المكتب ملامحها وديعة كصفحة ماء ساكنة ترتدي بذلة رسمية أنيقة وشعرها ينسدل كستار حريري على كتفيها تشع منها هالة من الرصانة المصطنعة.
تأملها جاستن بنظرة فاحصة مشوبة بالدهشة وعقله غير مصدق
أهذه هي بيلا تومسون التي جعلت الوصول إليها معركة تشبه مطاردة السراب!
فهو لم يجد في تلك الفتاة المتحفظة ما يبرر الهالة التي أحاطت باسمها إذ كانت تفتقر إلى تلك الجاذبية المتغطرسة التي رسمها في خياله لا بريق في العينين ولا كبرياء في الانحناءة ولا تلك السطوة التي اعتادها من وريثات النفوذ.
ابتسمت الفتاة ابتسامة متوترة وقالت بصوت ناعم تخلله الارتباك تكرر ما
سيد سلفادور لا بد أنك مرهق تفضل بالجلوس.
خلف الجدار أصدرت بيلا الأمر بصوت منخفض من خلال سماعة البلوتوث المثبتة في أذنها تتحكم في الحوار كما لو كانت تدير مسرحا سريا صوتها أهدأ من النسيم وأبرد من صمت الرخام لكن النغمة التي سرت في أذن دميتها الناطقة باسمها جعلت كل كلمة تخرج بارتباك خفيف كأنها صدى متردد من واد بعيد.
جلس جاستن على الأريكة ببطء يلقى نظرة متفحصة حول المكان بعين رجل يزن التفاصيل كما يزن المواقف.
كانت الغرفة فخمة التصميم لكن ثمة ما يعبق فيها بشيء خفي فقد راوده إحساس بأن أحدهم يراقب المشهد من وراء ستار غير مرئي ومع ذلك ظل صامتا يرسم على ثغره ابتسامة دقيقة لا يمكن قراءتها وكأنه هو الآخر قرر أن يشاركها لعبتها حتى النهاية.
كان المكتب أشبه بقطعة من معرض فني حي حيث يتناغم الصمت مع الأناقة في سيمفونية من الرقي والذوق الرفيع جدران بلون العاج تنيرها إضاءة خافتة دافئة وفي الزاوية يقف بيانو أسود لامع كأنه حارس أسرار نبيل
لكن عيني جاستن لم تتوقفا عند تفاصيل الأثاث بل انجذبتا كالمغناطيس إلى ما خلف المكتب حيث علقت لوحة أنيقة داخل إطار ذهبي تحمل اقتباسا مكتوبا بخط عربي مذهل
أخف قوتك وانتظر وقتك.
وقف لثوان يتأملها ثم مرر أنظاره عليها ببطء كمن يقرأ المعنى خلف الحروف وقال بنبرة خافتة عميقة تسكنها الدهشة
خط جميل.
في تلك اللحظة توقفت بيلا عن مضغ قطعة الشوكولاتة التي كانت تذوب في فمها كأن الوقت نفسه توقف معها إذ ارتجف قلبها دون أن تدري السبب كانت تلك الكلمات البسيطة بمثابة ارتطام ناعم بماض دفنته منذ زمن.. ماض لم يمدحها فيه هذا الرجل ولو مرة واحدة طوال ثلاث سنوات من زواجهما عاشت وهي تحاول التسلل إلى عالمه المغلق رتبت فوضاه وحفظت مواعيده وأطفأت حرائق غضبه الصغيرة لكنها لم ترزق منه بكلمة
قالت بيلا عبر دميتها بابتسامة هادئة زائفة تخفي عاصفة تحت السطح
هل أعجبك سيد سلفادور
أجاب بصوت منخفض خال من المبالغة كما لو كان يصف مشهدا عابرا فهو منذ أن عرفته قليل الكلام لكنها تجهل أن ندرة حديثه لم تكن سوى كونه لا يجيد التعبير
نعم.
تبدلت نبرة بيلا إلى لهجة ناعمة محسوبة
إن راق لك يمكنك أن تأخذه معك عند مغادرتك اعتبره هدية للقاءنا الأول.
رفع جاستن نظره إلى الفتاة التي تنطق بلا روح ثم قال ببرود يحمل بين طياته لياقة جافة
لا داعي لذلك الخط أنيق وفني للغاية ولا يليق أن آخذ منك قطعة فنية كهذه سيكون من قلة الذوق أن أفعل.
وفي الغرفة المجاورة انكمشت ابتسامة بيلا قليلا لم يكن رفضه هو ما آلمها بل الطريقة الهادئة التي نطق بها نفس
لهدوء الذي كان يخفي دائما