رواية عشق لا يضاهى كاملة الفصل 301 أسماء حميدة

لمحة نيوز

لكن ظافر أخرج شيئًا من جيبه ببطء… كانت بطاقة ذهبية براقة كأنها قطعة شمسٍ مصهورة في مستطيل معدني يمدّها نحوها بيدٍ واثقة فتجمدت سيرين في مكانها وعينيها تقدحان حيرةً وغضبًا:

"ما الذي تفعله؟"

ابتسم ابتسامةً باهتة وقال بصوتٍ خالٍ من التردد:

"إنه راتبك… لقد طلبت من ماهر أن يجهزه قبل مجيئي إلى هنا… قد لا أتذكر كل شيء، لكني اكتشفت في الأيام الماضية أنني كنت مديرًا تنفيذيًا لشركة كبرى وجمعت من المال ما يكفي ليجعلني قادرًا على رعايتكما مدى الحياة."

ازدادت ملامحها صلابة وقالت بقطيعةٍ حاسمة:

"لا أريد مالك."

لكنه وضع البطاقة على الطاولة بينهما كحاجز ذهبي يفصل بين عالمين وقال بثباتٍ يشبه الإصرار القدري:

"ليس مهمًّا أن تريديها… ما يهم أن أعطيك إياها."

التفتت عنه فجأة محاولة أن

تطرد لمعان البطاقة من عينيها وقالت وهي تحاول استعادة جمودها:

"تناول طعامك بسرعة لديّ موسيقى عليّ أن أؤلفها."

ظلّت البطاقة الذهبية تلمع على المائدة كندبةٍ لا تنمحي بينما رفع ظافر قطعة من الفطيرة إلى فمه وما إن مضغها حتى انكمشت ملامحه وعبس وكأن طعمها حوّل العالم في فمه إلى رمادٍ مُرّ.

رفعت سيرين بصرها نحو السقف كمن تبحث عن صبرٍ ضائع بين الشقوق وقالت بفتورٍ خفي:

"نعم… ما الأمر الآن؟"

رفع ظافر رأسه نحوها وعيناه الزجاجيتان تلتمعان بوداعةٍ غير معهودة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه أضفت إلى ملامحه جاذبيةً لا تقاوم وبينما خرج صوته رقيقًا لكنه حمل طلباً يأبى الانكسار:

"هل يمكنكِ مساعدتي؟… أنا لا آكل التوت الأزرق… هل يمكنكِ أن تزيليه لي؟"

كم بدت عبارته طفولية رغم صلابته الظاهرة؛

فقد فقد ذاكرته لكنه لم يفقد ذوقه العنيد الذي ما زال يقوده كما لو كان ملكًا يأمر بلا وعي.

مدّت سيرين يدها ببرود تلتقطت الحبات الداكنة واحدةً تلو الأخرى ثم أعادت الطبق إليه دون اكتراث قائلة بنفاذ صبر:

"ها هو… يمكنك أن تأكل الآن."

التقط ظافر قطعة أخرى من الفطيرة لكن قلقه لم يهدأ فتوقف والتفت برأسه نحو صوتها يقول بنبرةٍ فيها شيء من التردد:

"سيرين… هل أنتِ واثقة أنكِ أزلتِها جميعًا؟"

أجابت بسرعةٍ وقد ضاقت أنفاسها من تكراره:

"أجل… واثقة… ربما أفلتت واحدة فقط… إن قضمتها، فهي مجرد حبةٍ عابرة."

ثم نهضت فجأة كمن يهرب من ثقلٍ يجثم على صدره وقالت وهي تدير ظهرها له:

"سأذهب لتأليف بعض الموسيقى… أنهِ طعامك وبعدها لا تنسَ غسل الأطباق… الحوض أمامك بخطوتين لا أكثر."

لم تُعامله ككفيفٍ

على الإطلاق بل كما لو كان رجلاً كاملًا وأحيانًا أكثر من ذلك: كما لو كان تلميذًا صغيرًا يحتاج لتعليم فلو كان هذا هو ظافر الذي عرفته من قبل لكان صرخ في وجهها وألقى بالصحن وغادر المائدة بكبرياءٍ جارح، فكيف لرجلٍ وُلد وفي فمه ملعقة فضية أن يُؤمر بغسل الصحون؟

لكن الآن… لم ينبس بكلمة بل أكل كل الفطائر حتى آخر قضمة، حتى تلك التي دسّت له بين ثناياها بقايا التوت الذي يكرهه متعمدة ثم نهض بهدوءٍ غريب واتجه نحو المغسلة ليجلي الأطباق بنفسه.

لكن حين عادت سيرين إلى غرفتها وانغمست في أنغامها المعلّقة بين أوتار القلب نزلت فاطمة بعد قليل لتفاجأ بالمطبخ مغمورًا بالفقاعات كأن البحر قد تسلل من النافذة واحتل المكان… ورجلٌ اعتاد أن يُدار له القصر برجاله ونساءه يقف الآن منحنيًا أمام حوض صغير يغسل

الصحون بيديه .

الكبير عليكي يا بت الصرررررررمة.

تم نسخ الرابط