رواية عشق لا يضاهى كامله الفصول الفصل 302 أسماء حميدة

لمحة نيوز

لولا يد ظافر التي انتشلته لبقي تائها على هامش الحياة يلهث وراء قوت يسد به رمقه.
رفع ظافر رأسه وعيناه المعتمتان تتفحصان الفراغ بحدة وقال بصرامة لا تخلو من مكر
في هذه الحالة... احرص على أن تنظفها جيدا وأعد كل شيء إلى مكانه لا أريد أن تكتشف سيرين الأمر.
بكل تأكيد سيدي. أجاب ماهر وهو يكبت ابتسامة غبية.
وبينما
كان يشاركه العمل في صمت ثقيل تسلل على لسان ماهر الخبر الذي جاء يحمله
هناك اجتماع للمساهمين بعد ظهر اليوم... سيجتمعون ليقرروا تعليقك عن مهامك.
ظل ظافر صامتا كأن كلمات ماهر ارتطمت بجدار داخلي من حديد ثم قال بنبرة باردة كصدى رجل يتكلم من هوة سحيقة
أفهم... بعد عودتك اجمع كل أعمالي التي أنجزتها في السنوات الأخيرة وحولها إلى ملفات صوتية... ثم أرسلها إلي.
أومأ ماهر برأسه وصوته

خافت
أوامرك... سيدي.
كانت اللحظة أشبه بصفقة غير مرئية الولاء مقابل البقاء والأوامر مقابل الطاعة لكن في العمق كان كل منهما يعلم أن الزمن تغير وأن اللعبة لم تعد تدار بالعيون بل بالأصوات التي تسجل في عتمة جديدة لكن منذ اللحظة التي ارتجف فيها قلب ظافر بخبر حمل سيرين انعقدت في داخله عاصفة لا تهدأ إذ أقسم على نفسه أنه سيستعيد زمام حياته ولو سلب منه بصره كان كجندي جريح يصر على مواصلة المعركة لا ليحمي نفسه بل ليحمي الكنزين اللذين أودعهما القدر بين يديه.
حين أنهت سيرين عملها في الطابق العلوي خطا قلبها خطوات حذرة نحو الأسفل لا تنتظر من ظافر شيئا ولا تتوقع منه أكثر من صمته المعتاد لكن المفاجآت كثيرا ما تخبئ نفسها في التفاصيل الصغيرة فما إن وطأت قدماها عتبة غرفة المعيشة حتى ازدادت دهشتها
في صمت مباغت كان المكان مشذبا بعناية كأن يدا خفية مرت فوقه رتبت الأشياء بنبض متأن والمطبخ يلمع كمرآة والأثاث مصطف بعناية في نظام غريب عنها حتى تساءلت للحظة هل عاد إليه بصره أم أن البصيرة تنبت حين يسلب البصر
كان ظافر يجلس على الأريكة بين يديه كتاب محفور بالنتوءات أصابعه تتحسس حروف برايل كطفل يتعلم لغة جديدة وعيناه المغلقتان تتناوبان مع أذنيه في اصطياد أدق الأصوات فارتفع رأسه إليها فجأة وكأن الهواء نفسه أفشى سر حضورها وبصوته الهادئ الذي بدا أثقل من صدى قلبه قال
هل انتهيت من عملك يا سيرين
ارتبكت دهشت ثم سألت بصوت يحمل ظل ابتسامة
وكيف عرفت أنها أنا وليست فاطمة
ارتسمت على شفتيه مسحة من ثقة ممزوجة بعذوبة غامضة
لكل منكما وقع مختلف حين تمشيان... خطواتكما ليست سواء.
لم تستطع أن تخفي
إعجابها إذ بدا كمن يصغي إلى الكون بأكمله في حفيف الأقدام ومن ثم قالت متسائلة وقد علقت الدهشة في عينيها
هل نظفت كل هذا بنفسك
تردد لحظة كأن الكذب يتردد قبل أن يخرج من بين شفتيه ثم أجاب بصوت عميق
نعم... أنا فعلت ذلك.
توقفت عن الحفر في السؤال فالإجابة بحد ذاتها لم تعد مهمة أو ربما لأنها أدركت أن بعض الأفعال تتكلم بصوت أعلى من الكلمات.
في هذه الأثناء كانت فاطمة غارقة في نوم واهن بينما جلس الصمت بينهما كضيف ثالث لا يريد الرحيل إذ لم يكن لدى سيرين وحي للموسيقى في تلك اللحظة فاتجهت إلى التلفاز تبحث عن أي ضجيج يبدد السكون.
بلمسة عابرة تنقلت بين القنوات حتى توقفت عند شاشة مشتعلة بالأرقام والوجوه المتجهمة قناة مالية تبث حيا اجتماع المساهمين لشركة آل نصران... الشركة التي يرتبط اسمها بظافر
كما يرتبط الجسد بروحه.

تم نسخ الرابط