رواية عشق لا يضاهى الفصل ثلاثمائة وأربعة 304 أسماء حميدة
ــ *"حسنًا... في هذه الحالة أريد أن أزور زميلي في الصف في عطلة نهاية هذا الأسبوع."*
تنفست كوثر بارتياحٍ كمن وجد مخرجًا من زنزانة ضيقة وأجابت بسرعةٍ تكشف عن رغبتها في إرضائه:
ــ *"بالتأكيد… لا مانع عندي."*
لم تعلم أنها بهذا القبول فتحت بابًا خفيًا لما كان يُدبّره عقل الصغير ففي البداية كان **زكريّا** يتمنى أن يطلب منها العودة إلى مقاطعة سان حيث تنسج خيوط الحنين نحو والده لكنه كان أن طلبه سيلقى رفضًا صارمًا كما في المرة السابقة فأدار اللعبة بدهاءٍ يشبه مفاوضات الكبار إذ طرح رغبته الكبرى أولًا فرفضتها ثم جاء بطلبٍ أبسط، عابرٍ، لا يُثير الحذر وهكذا كما تجري قواعد المساومة في الأسواق القديمة وافقت دون أن تدري أنها أُسرت بخطّته… إذ أخذ يتردّد في ذهن **زكريّا** صدى ذلك الصباح حين عاد إلى روضة الأطفال بعد غيابٍ طويل
ــ *"ليس لديك أدنى فكرة يا زكريّا... عمتي الكبرى بحثت عنك بجنون بل قلبت الدنيا رأسًا على عقب بعد أن اختفيت… حتى أنها عثرت على والدك مؤخرًا."*
ارتجف قلب زكريّا وتوهّجت في ذهنه آلاف الأسئلة كشررٍ يتطاير من نار. *هل يُعقل أن تكون شادية قد كشفت الحقيقة؟ هل أدركت أنه ابن ظافر؟*
سأل زكريا بلهفةٍ حذرة يحاول أن يمسك بأنفاسه:
ــ *"هل أخبرتك من هو والدي؟"*
هزّ مالك رأسه نافيًا ثم أضاف بعينين تتلألآن بالانبهار:
ــ *"لا... لكنها عندما قابلته رأيته بعيني… كان طويل القامة.
أحسّ زكريّا باضطرابٍ يزحف في داخله فلو كان مالك يعلم أن المقصود هو **ظافر** لما أطلق عليه هذا الوصف؛ فهما يعرفان بعضهما فأيقن أن صديقه قد أخطأ الفهم لكن ذلك الخطأ زاد ارتباكه غموضًا فوق غموض فسأله زكريا متردّدًا:
ــ *"هل يعيش في بيتكم؟"*
أجابه مالك وهو يعقد حاجبيه في تفكيرٍ بريء:
ــ *"لا... لكنه زار العمة الكبرى شادية مؤخرًا… غريب أمرك يا زكريّا، ألا تعرف أين يسكن والدك؟"*
تنفّس الصغير تنهيدة ثقيلة لا تليق بطفلٍ في عمره وكأنها خرجت من فم رجلٍ شاخ قبل أوانه ثم قال بصوتٍ مثقلٍ بمرارة السنين:
ــ *"لقد تخلّى عني وعن أمي يوم وُلدت... لم أرَ وجهه قط."*
ساد الصمت بينهما لحظة ثم قطعه مالك بحماسةٍ صافية:
ــ *"إذن، تعال لزيارتي غدًا في منزلي… ربما تصادف حضوره هناك.
كان العرض عابرًا في نية مالك لكنه أصاب زكريّا في الصميم إذ ارتجف داخله شعور بالترقب وابتسم ابتسامةً واثقة كمن وجد منفذًا نحو الحقيقة التي شاعت عبر وسائل الإعلام بعودة ظافر، وأجاب بسرعةٍ لم تحتج إلى تفكير:
ــ *"بالتأكيد، سأأتي."*
هكذا حين عاد إلى البيت طرح على **كوثر** فكرة الذهاب إلى مقاطعة سان، وهو يعلم يقينًا أنها سترفض دون تردّد لكنه لم يكن يخطط إلا لشيءٍ واحد: أن يُسقط طلبه الأول الكبير، لتضطر إلى منحه تعويضًا صغيرًا... وهو زيارته لصديقه **مالك نصران**.
كان عقله الصغير يضجّ بحسابات الكبار؛ فكرة أن عائلة نصران باتت تحت سيطرة رجلٍ آخر كانت تحرقه من الداخل فبالرغم من أنه لم يحب **ظافر** بل ربما كرهه أحيانًا لكنه رفض أن يرى إرث ذلك الرجل يُنهب ببساطة ففي نظره إذا سقط ظافر ذات يوم فلن يرثه الغرباء