رواية رهينة العرف كاملة جميع الفصول الكاتبة أسماء حميدة الفصل الثالث 3
صاحب الوجه المحجوب تسأله بصوت يحمل صرامة المهنة
هل لديك أي حساسية تجاه المخدر
كانت الجروح رغم قسوتها بعيدة عن الأعضاء الحيوية لكن الخياطة لا تتم إلا بتخدير موضعي.
صمت الرجل لحظة ثم أجاب ببرود جاف
لا.
التقطت ليان حقنة وأخذت تدور حول الجرح تغرز الإبرة بخفة وثبات حتى بدأ الدواء يسري كنسمة باردة في أوصاله دقيقتان وربما أقل قبل أن تنحسر قسوة الألم.
ساعة كاملة انزلقت مثل قطرة من زئبق وخيمت على الغرفة رائحة المعقمات ونبض الصبر حتى أبرمت ليان آخر غرزة وأحكمت الرباط خطواتها دقيقة وهادئة كأنها ترسم على جسده خريطة نجاة.
تأملت يديها الملطختين بدم قان ثم التفتت نحو آدم وقالت بهدوء عميق
أحتاج إلى الحمام.
أجابها آدم دون أن يرفع عينيه
في الطابق السفلي يمكنك أن تذهبي وحدك.
تردد صدى خطواتها وهي تهبط الدرج في حين أن بقي آدم
كان الجريح يجلس في شبه ظلال الغرفة ساكنا كذئب يترقب لكن في سكونه نذر عاصف.
قال آدم بصوت خافت كأنما يلقي جمرة
عثرنا على الفاعلين كوينسي هي من أرسلت أولئك الذين هاجموك فقد ارتبكت حين طردت جواسيسها من جوارك فدب الرعب في أوصالها وأرادت أن تنهيك قبل أن تنكشف.
تحرك يعقوب ببطء ينهض من فراشه كأنه يقتلع نفسه من رماد الليل ملابسه مبعثرة وجهه شاحب ومع ذلك يلفه هالة تهديد صامتة يرفع عينيه إلى آدم عينان معتمتان كهاوية بلا قرار
أهي من حاكت خيوط ذلك الزواج وأجبرتني عليه
تردد آدم لحظة ثم أجاب بنبرة تقطر يقينا
أجل اكتشفت أن راشد كان على اتصال بها كل ما جرى كان مريبا منذ البداية فمن شبه المؤكد أنها دبرت الأمر ولهذا اختارك راشد زوجا لابنته
شهق يعقوب بضحكة قصيرة خالية من البهجة كأنها طعنة في الفراغ يغمغم بحقد
حسنا ما دامت تغدق علي الهدايا فسيكون من قلة الذوق ألا أرد لها الجميل.
كان يعقوب قد عاد للتو من مهمة خارج البلاد والمدينة ما تزال تجهل أنياب غيابه ومع ذلك انسكبت البرودة من ملامحه كسائل معدني مضيفا
سمعت أن يوسف يدير ملهى ليليا في شارع سنترال أم أنني واهم
أدرك آدم الفكرة قبل أن تكتمل على لسان سيده قائلا
ذاك الملهى مصدر دخلهم الوحيد بعد إقصائهم من الشركة إذا سقط ستضيق عليهم الحياة حتى الاختناق.
أومأ يعقوب ببرود قاتل
نفذ.
هبط آدم الدرج كصوت مكتوم في ظلمة البيت ولمح ليان تصعد بخطوات حذرة. نظر إليها بعينين حادتين وقال بتحذير لا يقبل التردد
تذكري إن تفوهت بكلمة واحدة عما رأيت أو سمعت اليوم فلن تعرفي سوى موت بطيء.
كان تهديده أشبه بطلسم
أجابت بصوت خفيض ورأسها منحن كأوراق يثقلها المطر
لن أفعل سأغادر بعد أن ألتقط حقيبتي.
عادت إلى الغرفة في الطابق العلوي هناك توقف الزمن للحظة فقد كان الرجل الذي خيطت جراحه قد تخلى عن قميصه الملطخ بالدم فانكشفت عضلات كتفيه العريضين وخصره الممشوق كلها خطوط كأنها منحوتة بإزميل الضوء جسد يشي بالقوة وظهر صلد رغم الجرح كجبل ما زال يقف في وجه عاصفة عتية.
التفت إليها من أعلى كتفه وهو يواليها ظهره يرميها بنظرة خاطفة تحمل شيئا من سخرية هادئة وصوته ينساب ببرود مخملي
ألن ترحلين
ارتجف بصرها للحظة وتعثر قلبها قبل أن تداريه فخفضت عينيها سريعا إلى الأرض
كأنها تحتمي من بريق خاطف