رواية عشق لا يضاهي اسماء حميده كاملة من الفصل الاول حتى الفصل الاخير (الفصل السادس عشر حتى الفصل العشرون)

لمحة نيوز

الكلمات قبل أن تخرج من شفتيها 
ثم نطق بصوت منخفض لكنه كان مشحونا بمعان ثقيلة 
دينا أنت تعرفينني منذ زمن بعيد ينبغي أن تدركي جيدا أنني لا أحتمل الكذب لا أقبله ولا أسامح عليه 
تسارعت دقات قلبها وكأنها طائر حشر في قفص ضيق 
لم تكن كلماته تهديد مباشر لكنها تسللت إلى أعماقها كجمرة اشتعلت في هشيم مخاوفها 
راقبته وهو يغادر بينما رعشة غير مرئية تسري في أطرافها وبعد أن خلت بنفسها غاصت في دوامة أفكارها ومن ثم ابتسمت بخبث حالما أدركت أن سيرين هي الشاهدة الوحيدة على ما حدث وها قد رحلت إلى الأبد لذا لم يعد هناك من يستطيع أن يبوح بالحقيقة لطارق وإن انتابه الشك فلديها دائما سلاحها الأخير الإنكار 
لكن طارق لم يكن من النوع الذي يترك الأسئلة معلقة في الهواء وما إن عاد إلى قصره الفخم حتى اتخذ قراره بلا تردد ملتقطا هاتفه وأصدر أوامره لشخص ما بالتحقيق في ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم 
ألقى طارق بحمل جسده على أقرب مقعد فلطالما أعتقد أن دينا هي منقذته ولم يشكك يوما أبدا في روايتها ولم يكلف نفسه عناء البحث حينها إذ لم يظهر أحد ليناقضها أو يطالب بمكانها في القصة لكنه الآن وهو يربط الخيوط المتناثرة بات يدرك أن هناك احتمالا احتمالا واحدا لم يكن يريد مواجهته 
كان يأمل فقط ألا يكون قد وقع في خطأ حتى يريح ضميره الذي ينغص عليه هدوءه بعد أن غدر بسيرين كما فعل الآخرين ولكن هو الأكثر خسة من بينهم إنها ملاكه الحارس هي منقذته الحقيقة في حال أن ما كانت تدعيه دينا مجرد وهم 
إليك إعادة الصياغة بأسلوب أدبي بليغ ومفعم بالمشاعر والتشبيهات المتناغمة على طريقة أحمد مراد 
توقفت سيارة ظافر أمام قصر آل نصران وألقى بجسده المتوتر على المقعد الجلدي بينما كانت أنفاسه تتلاحق مع كل سيجارة أشعلها وأفناها بين شفتيه الليل يلف المدينة بردائه الداكن والهواء المشبع بالدخان يعكس اضطراب روحه كان قد زار شقة إيفات القديمة صباحا لكن المكان بدا مهجورا كأنما لم تطأه قدم منذ زمن 
عيناه كانت مسمرة في الفراغ أفكاره تتخبط بين احتمالات يرفض قلبه تصديقها لقد أرسل رجاله في كل الاتجاهات للبحث عن سيرين مصرا على
أنها لا تزال حية لكنهم عادوا إليه بقبضات فارغة كان يرفض التسليم بغيابها يرفض مجرد التفكير في كونها ماتت 
ألقى عقب السيجارة الأخير وسحقه تحت قدمه عندما بدأ صداع حاد يزحف إلى رأسه فتح باب السيارة بخطوات مثقلة ودلف إلى القصر وما إن عبر العتبة حتى تجمدت قدماه هناك وسط الرواق وقفت سيرين 
اتسعت عيناه واندفعت نبضاته كأنها تريد الخروج من صدره ركض نحوها يمد ذراعيه كمن يركض نحو الحياة ذاتها اشتاقها حد الألم جسده يصرخ مطالبا بضمها باستعادة ملمسها بحرارة وجودها ولكن في اللحظة التي كاد يلمسها تلاشت أمامه كما يتلاشى السراب في وهج الصحراء 
توقف فجأة ليتلاشى كل شيء من حوله أيضا 
أدرك حينها أنه كان يلهث خلف وهم خلف هلوسة أوجدها عقله المعذب 
استند إلى الأريكة بضعف مدلكا جبهته في محاولة منه ليخفي بؤسا فضحته عيناه 
ولكن هيهات إنه لم يذق النوم ليلة أمس وحتى الآن كان الإرهاق ينهش جسده لكنه مع ذلك ظل مستيقظا وكأن النوم ذاته قد أعلن العصيان عليه 
لم يستطع تصديق أن سيرين رحلت كيف يمكن لها أن تختفي هكذا لقد كانت بخير كانت هنا معه بالأمس 
طرق مفاجئ على الباب قطع أفكاره فنهض مسرعا وكأنما يتشبث بأي شيء يبقيه على قيد الواقع 
فتح الباب ليجد طارق واقفا هناك عابس الوجه منهك الملامح يحمل بين يديه حقيبة ممتلئة بالملفات 
ظافر هذه هي السجلات الطبية الخاصة سيرين قالها بصوت خفيض وهو يناوله الأوراق المتراكمة بين يديه 
تردد ظافر لحظة قبل أن يمد يده ليلتقطها كانت الملفات ثقيلة مئات الصفحات لكنه بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى يبحث عن إجابة وسط بحر من الكلمات المطبوعة ولكن كل صفحة كانت تزداد ثقلا لتطبق على صدره 
جلس طارق أمامه وصمت لحظة قبل أن ينطق بالكلمات التي أشعلت النيران في صدر ظافر 
ظافر لقد رحلت سيرين حقا الآن ولابد من أن تتقبل ذلك 
حملقت عينا ظافر في الأوراق لكنه لم يرفع رأسه فتابع طارق يقول بصوت يملأه الألم 
لقد رأيت من السجلات أنها كانت تعاني من اكتئاب حاد وكانت حاملا أيضا قبل بضعة أيام فقط لجأت إلى تدابير متطرفة من خلال تناول جرعة زائدة من الحبوب المنومة
كادت أن تموت حينها ولكن هذه المرة اختارت ولم يتمكنوا من إنعاشها 
عند سماع كلمة حامل توقفت يد ظافر عن تقليب الصفحات كأن الزمن جمده في لحظة واحدة أبدية 
لم يرد فقط تابع القراءة عيناه تهرولان على الكلمات كمن يحاول إعادة ترتيب العالم في رأسه 
كل حرف كان يسحق صدره أكثر وكأن صخرة هبطت على ضلوعه لتسحق أنفاسه ومع ذلك لم يقل سوى 
هل كانت مكتئبة بشدة إذن هل كان هذا خطئي لم أجبرها على الزواج مني 
كلماته خرجت كأنها دفاع يائس لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام السجل الذي كشف الحقيقة الأكثر إيلاما تاريخ الحمل تلك الليلة التي تغير بعدها كل شيء 
حملق في الكلمة المكتوبة أمامه حامل ومرر إصبعه ببطء فوقها كأنما يحاول استيعابها بأطرافه قبل أن يستوعبها عقله حلقه ضاق الهواء بات خانقا لكنه رغم ذلك همس بكلمات كالسياط 
من يدري من هو الأب الحقيقي لطفلها 
ارتسمت الصدمة على وجه طارق لكن ظافر لم يكن بحاجة إلى نظرة شفقة كان يحتاج إلى إجابة كان يحتاج إلى يقين حتى لو كان اليقين نفسه سيقتله 
الفصل 18 
رفع طارق كأسه إلى شفتيه يرتشف محتواه دفعة واحدة وكأنه يحاول ابتلاع مرارة الحقيقة التي نطق بها للتو ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ كحد السيف 
ظافر سيرين ماتت دع الماضي يرقد لعل روحها تجد سلاما لم تحظى به صاحبتها 
لكن ما إن انسلت كلماته إلى الفضاء حتى تسلل إلى صاحبها إدراك مباغت لم يكن يتحدث عن سيرين فحسب بل كان ينطق بلسانها كأنها تهمس من خلف ستائر الغياب تطالبه بأن يمضي دون أن يلتفت وأن يجعل ظافر هو الآخر ينفضها عن رأسه حتى تنعم في حياة أبدية كمن ترغب في أن يتناساها الجميع ولا يخلد أحد ذكراها 
أما ظافر فقد بدا غارقا في عالم آخر ولم يلحظ ذلك الاضطراب الخفي الذي يسري في ملامح طارق بل ظل مستغرقا في القراءة عينيه تتنقلان بين السطور في إيقاع رتيب إلى أن قطع صمت اللحظة صوت الهاتف متسللا برنينه الحاد وسط هدوء المكان 
مد ظافر يده إلى الجهاز ونظر إلى الشاشة ماهر 
ضغط زر الإجابة دون تردد فجاءه صوت ماهر عبر الخط ثابتا لكنه محمل بشيء من الاستعجال 
السيد ظافر لقد تعقبت تحركات
كارم 
قالها ماهر ولم يضع وقتا بل أرسل إليه الموقع مباشرة 
ضغط ظافر على الرابط ففتحت الخريطة على مزرعة صغيرة منعزلة عن العالم تحمل اسم مقاطعة سان 
التقط ظافر أنفاسه في شرود إذ لم الاسم غريبا عليه لكنه لم يستطع استدعاء الذاكرة التي تحمله 
مرت لحظات من الصمت طال أمدها حتى باتت ثقيلة مما دفع طارق للتساؤل وهو يراقب ملامح ظافر المتصلبة 
ماذا هناك 
لكن ظافر لم يحمل حاله عناء الرد فقد اتخذ قراره ونهض بعزم ينفض عن كتفيه أثر التردد وقال وهو يلتقط معطفه بحركة حازمة 
لابد وأن أذهب الآن إذا حدث شيء هام هاتفني على الفور 
لم يضف ظافر شيئا آخر فقط غادر تاركا خلفه تساؤلات طارق التي لم تجد طريقها إلى لسانه بل ظل يراقبه وهو يختفي عبر الباب محاولا أن يفهم وجهة ظافر أو سبب استعجاله لكنه لم يجد إجابة 
كان الليل قد أسدل ستاره والهدوء الثقيل يلف القصر بأكمله فشعر طارق بالإرهاق يتسلل إلى جسده إذ كان يوما طويلا والليالي الماضية شحيحة بالنوم لذا قرر أن يبقى هناك حتى الصباح لعل شيئا من الراحة يجد طريقه إليه وسط هذه الفوضى التي لا تنتهي 
عند الفجر ترجل ظافر أخيرا من السيارة ليجد نفسه في قلب مقاطعة سان حيث كان المطر ينسكب بغزارة كأن السماء قد أثقلتها الذكريات فقررت أن تفرغ أحزانها على الأرض 
الهواء مشبع برائحة الطين المبتل والصمت لا يقطعه سوى صوت ارتطام القطرات على الإسفلت البارد 
رفع ماهر مظلته السوداء الكبيرة فور نزول ظافر كأنه يحاول أن يقيه من وابل السماء أو ربما من سيل الأسئلة التي بدأت تتزاحم في رأسه 
تقدم ماهر بخطوات ثابتة وهو يتحدث بصوت منخفض لكنه نافذ كمن يسرد لغزا يكشفه لأول مرة 
عندما تتبعنا تحركات كارم وجدنا أنه توقف هنا بحثنا أكثر فاكتشفنا أن امرأة مسنة تعيش في هذا المكان مربية السيدة تهامي تلك التي تولت رعايتها كأم متبنية منذ كانت طفلة 
تحت وطأة المطر المنهمر ارتجف بريق عيني ظافر للحظة كأن ذكرى بعيدة أفاقت فجأة من سباتها 
مقاطعة سان 
الآن فقط أدرك السبب وراء ذلك الشعور المألوف الذي تسلل إليه بمجرد رؤية الاسم 
سيرين لقد
ذكرته له مرارا لكنه لم يكن يلقي بالا للأمر حينها 
في
تم نسخ الرابط