رواية عشق لا يضاهي اسماء حميده كاملة من الفصل الاول حتى الفصل الاخير (الفصل السادس عشر حتى الفصل العشرون)
المحتويات
السنوات الثلاث التي جمعتهما تحت سقف واحد كانت هناك لحظات متكررة في مناسبات بعينها ترفع فيها سيرين عينيها نحوه بتوتر ظاهر ثم تهمس برجاء
ظافر أنا في حاجة لأن أذهب إلى مقاطعة سان هل يمكنني الذهاب
كان ظافر حينها مشغولا بحياته غارقا في دوامة أعماله فلم يكن يهتم كثيرا بمكان وجهتها أو سبب إلحاحها في السفر إلى هنا
كان يكتفي فقط بأن يرد بصوت خافت خال من أي اهتمام
اذهبي حيث تشائين ولا داعي لأن تخبريني فأنا لست مهتما بما تفكرين به
ورغم فتور رده كانت تخبره في كل مرة قبل أن تغادر كأنها تريد أن تترك أثرا خفيا لرحلاتها رغم يقينها بأنه لن يسأل عما تفعله هناك
لم تكن سيرين كثيرة الخروج لكن كلما غادرت كان مقصدها واحدا مقاطعة سان
أفاق من شروده على صوت ماهر وهو يشير إلى منزل متهالك مبني من الطوب بدا كأنه يحارب الزمن ليبقى واقفا
هذا هو المكان
اقترب ماهر من الباب يتلمس المقبض فوجد الباب مغلقا بإحكام فارتسمت على وجهه علامة استفهام وهو يتمتم بدهشة
ما هذا
نظر ماهر إلى ظافر فالتقت عيناه بتلك النظرات الآمرة التي لا تحمل ترددا فأشار له ظافر إشارة قصيرة فهمها ماهر على الفور وتحرك على إثرها الحراس الشخصيون يقتربون من الباب استعدادا لتنفيذ أمرا غير منطوق ولم تمر ثوان إلا وكان باب المنزل أسفل أقدام آمرهم وقبل أن يتقدموا إلى الداخل قال ظافر بصوت حاسم دون أن يحيد بنظره عن فتحة الباب
انتظروا هنا
أومأ ماهر بإيجاب صامت متراجعا هو ومن معه خطوة إلى الخلف بينما استعدت الريح لحمل الأسرار التي ستكشف عما قريب
بمجرد أن ولج إلى الداخل ضربته الرطوبة كصفعة باردة تسللت إلى جلده كأنها تحاول اختراق عظامه الهواء مشبع برائحة العفن كأن الجدران نفسها تحتضر ببطء متشبثة بأثر حياة بائدة لم يعد لها وجود
تجول بصره في الأرجاء ثم عقد حاجبيه في شرود هل عاشت سيرين حقا هنا في طفولتها كيف احتملت هذا المكان الخانق
بخطوات مترددة توغل أكثر في المنزل الضيق حتى استقرت عيناه على طاولة خشبية مهترئة تتوسط الغرفة فوقها رقدت صورة بالأبيض والأسود كأنها شبح زمن مضى ظل معلقا في انتظار
توقف الزمن في تلك اللحظة اتسعت عيناه وهو يمد يده ليلتقط الصورة ثم ثبتت أنظاره عليها لوهلة طويلة أطول مما توقع أصابعه تشددت حول إطارها كأنها تستجوبها بصمت تبحث بين ظلال اللونين الرمادي والأسود عن إجابة مقنعة لما يراه
سيرين كانت تبتسم ابتسامة ناعمة هادئة لكنها حزينة حزن دفين كأنه نقش قديم محفور في عينيها لا يمكن محوه
شدد ظافر قبضته على الصورة ثم وضعها برفق على الطاولة كمن يخشى أن يوقظ ذكرى قد تنفجر في وجهه ثم تمتم بمرارة
ما هذا بحق الجحيم هل هي ممثلة بارعة لهذه الدرجة هل هذه صورة لجنازة أم لمشهد من فيلم قديم أي نوع من النكات السوداء هذه
لم يدرك أن صوته كان يرتجف لكن ارتعاشه تسلل إلى أذنيه كتحذير لم يستطع تجاهله
كان المنزل أصغر مما تخيله غرفتان فقط ومنطقة مشتركة بالكاد تحتوي بعض الأثاث المتناثر طاولات كراس لا شيء ذو قيمة تذكر بعينيه الحادتين راح يمسح المكان بحثا عن أي دليل ولكن الفراغ هو كل ما وجده
وفجأة شق صوت الرعد أجواء الصمت تبعه وميض برق خاطف أضاء الغرفة للحظة قصيرة وكأنه يبعث الحياة في الصورة مجددا يذكره بأنه ليس وحده في هذا المكان
بصوت حازم التفت إلى ماهر وأمره
ابحث عن مربية سيرين أريد أن أعرف إلى أين اختفت
أومأ ماهر فورا أمرك سيد نصران ثم انطلق خارجا
أما ظافر فوقف ساكنا للحظات ثم أشار لحراسه الشخصيين بالمغادرة أراد أن يكون وحده هنا أن يواجه الفراغ والصورة والرائحة العتيقة وحده أن ينتظر صاحب هذا المنزل ليعود ليجيب عن الأسئلة التي بدأت تنمو داخله كأشواك متوحشة
ظل منتظرا يوما كاملا مر عليه كدهر وأخيرا مع انقشاع الغيوم في فترة ما بعد الظهيرة سمع أصوات الجيران في الخارج يتحدثون
الفصل 19
تناهت إلى مسامع ظافر همسات متفرقة تتردد بين الجيران امتزجت فيها نبرة الأسى بالحيرة كأنها نواح مكتوم يتسلل عبر الجدران
المسكينة فاطمة لم ترزق يوما بابنة لكن الأقدار منحتها سيرين فكانت لها الابنة التي لم تلدها ثم انتزعت منها كما انتزع منها كل شيء
أما كانت فتاة ذكية ومهذبة كيف اختطفتها يد الموت بهذه العجلة
الحياة وسط الأثرياء
كم تحدثت فاطمة وسيرين عن السعادة عن زوج محب عن حياة هانئة لكنهما كانتا تكذبان ربما حتى على نفسيهما ثلاث سنوات مضت على زواجها ولم يأت بها زوجها إلى هنا ولو مرة واحدة
كان ظافر يستمع إلى كل ذلك وصدره يضيق بغصة ثقيلة كأنها صخرة تهوي في بئر سحيق داخله ورغم ذلك انتظر انتظر طوال اليوم لكن لا فاطمة عادت ولا سيرين
اتكأ ظافر على كرسي خشبي محاولا أن يغرق في غياهب النوم لكنه لم يكن سوى شرك خادع كمين محكم يقوده إلى فخ كابوس جديد
جفناه أسدلا للحظات لكنه سرعان ما انتفض كمن ألقي في هاوية سحيقة
ارتجف جسده كما لو كان يلفظ صقيع الموت بينما حبات العرق انحدرت على جبينه كسيل من الذكريات المعذبة
مرة أخرى طاردته الرؤيا ذاتها موت سيرين لكن هذه المرة لم يكن مجرد كابوس عابر بل حقيقة تتسلل إلى صدره تكبل أنفاسه تزرع في رئتيه شوكا لا يقتلع
وعند العاشرة مساء كان حي فاطمة يعج باضطراب غريب وكأن الهواء ذاته قد تلبسه الخوف
اصطف الجيران في طوابير صامتة يقتادون واحدا تلو الآخر نحو منزلها ذلك البيت الذي كان يوما ملاذا دافئا لكنه الآن محاط بهالة قاتمة من الحراس الشخصيين ببدلاتهم السوداء التي جعلت الجدران تبدو أضيق وكأنها تنكمش تحت وطأة الترقب
أين هم
انطلقت الكلمات من فم ظافر كالسيف قاطعا سكون القاعة كنذير بعاصفة وشيكة
لم يكن أهل مقاطعة سان قد شهدوا مثل هذا الحدث من قبل لذا التصقوا بمقاعدهم رؤوسهم منحنية في خضوع كأن كل واحد منهم يخشى أن يصبح الهدف التالي لتلك العيون المشتعلة بالغضب
بينما بدا ظافر المتربص في صدر المجلس كملك جائر في لحظة محاكمة عينيه تضيقان بحذر وملامحه تتراوح بين الجمود الغامض والغضب المكتوم كبركان يتأهب للانفجار
خرج صوت مبحوح من بين الحاضرين
قبل ليلتين سمعت بكاء السيدة فاطمة وعندما ذهبت للاطمئنان عليها أخبرتني أن سيرين ماتت
تردد الصدى بين الجدران المرهقة قبل أن يكسر الصمت شخص آخر
موت
ضاقت عينا ظافر وتعمقت حلكتهما كأنما احتويا الليل نفسه
وأين ذهبت فاطمة
لم يجب أحد بل تبادلوا النظرات المرتبكة لكن لا إجابة لا أثر لا يقين
عاد السؤال بصوت ماهر هذه المرة عن مصير كارم لكن الإجابات لم تختلف كانت عيون الحاضرين تائهة تحمل ذات الذهول
كان يتيما ثم ذات يوم جاء من أخذه بعيدا ولم يعد أبدا
في حضرة الظلام والمطر الغزير حيث تنهمر السماء وكأنها تبكي بحرقة كان الوقت يشير إلى الثانية عشرة وثلاث دقائق بعد منتصف الليل وميض البرق يشق عتمة الليل يتبعه دوي الرعد كصرخة غاضبة في فضاء الريف البعيد الطرق الترابية غارقة في الوحل تجعل السير عليها ضربا من العذاب
تردد صوت ماهر وسط العتمة وهو يسأل بتردد
سيدي نصران هل نذهب إلى المقبرة غدا
كان الإرهاق ينهش جسده بعد الأيام الشاقة التي قضاها مؤخرا وكأنه بات على شفا الانهيار لكن نظرة واحدة من ظافر كانت كفيلة بإخماد أي اعتراض داخله تجمد ماهر بمكانه ثم أطاع بلا جدال حاملا المظلة يتبع ظافر بخطوات حذرة فيما كان عقله يعج بالتساؤلات
لماذا
لم يكن هناك من يجهل أن ظافر لا يحمل أي مشاعر لسيرين فلماذا إذن يستهلك كل هذا الوقت والجهد للبحث عنها لماذا تبدو هذه الرحلة وكأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة له
عندما وصلا إلى المقبرة كان المكان يغرق في سكون ثقيل لم يتطلب الأمر أكثر من نظرة واحدة من ظافر حتى يرصد القبر الجديد الوحيد على قمة التل
انقبض قلبه وتوقفت خطواته حدق به طويلا وكأنه يراه للمرة الأولى ثم بصوت أشبه بالهمس لكنه يحمل أمرا لا يقبل النقاش قال
احفروا
لم يكن لديه خيار آخر إن كانت سيرين على قيد الحياة أراد أن يجدها وإن كانت ميتة أراد أن يراها بعينيه لن يسمح لعقله بتصديق رحيلها حتى يواجه الحقيقة وجها لوجه
كان الهواء يثقل صدورهم وهم ينفذون الأمر ظافر بوجهه الخالي من أي تعبير أخذ يراقب بصمت القبر الذي ينتزع شيئا فشيئا لم يكن قلبه في مثل هذا الاضطراب من قبل يدق بعنف وكأنه يحاول الفرار من قفصه الصدري
وأخيرا جاءه أحد الحراس يحمل
ها هو سيد نصران
في
متابعة القراءة