عشق لا يضاهى كاملة بقلم اسماء حميده (الفصل الواحد والعشرون حتى الخامس والعشرون)
المحتويات
خارجا خطواته المتعثرة تترك خلفها أثرا باهتا لوجوده وما من حاجة للتساؤل عما سيحدث له بعد ذلك...
أما ظافر فقد ظل ساكنا وجهه قطعة من حجر لا تنطق بشيء لكنه التفت إلى طارق بعينين لا تخفيان الاتهام.
هل دافعت عنها للتو
انعقد حلق طارق كأنه يقبض على الكلمات قبل أن تخرج لكنه لم ينكر الأمر بل قال بصوت خافت يكاد يهمس به لنفسه
أظن فقط... أنه لا داعي للاستمرار في معاملتها بهذا السوء.
تجمدت يد ظافر على القلم واشتدت أصابعه حوله ببطء كمن يعصر عنق حقيقة مؤلمة حتى برزت عروق يده كأفعى تتلوى تحت جلده ومن ثم رفع رأسه ببطء وعيناه تحملان ظلالا داكنة من غضب دفين ثم قال بصوت جاف أشبه بصليل سكين على زجاج
لقد عاملتني بسوء أولا.
ثم وقف وكأن الجلوس لم يعد يتسع له واقترب من طارق ينحني بجذعه قليلا نحوه يسأله بحدة
طارق لا تقل لي أنك تصدق فعلا أنها ماتت
ثم ابتسم ابتسامة ساخرة كمن يلوك سخرية مرة بين أسنانه وأردف
أما سمعت يوما أن الشر لا يموت بل يعيش إلى الأبد... شخص مثلها لا يمكن أن يهزم بالموت.
كان صوته يحمل ارتجافة خفية كأن عقله يرفض أن يصدق ما تنطق به شفتاه كلماته الحادة عنها لم تكن سوى محاولة بائسة لخداع ذاته قبل أن يخدع الآخرين.
وفي لحظة شق صوت المنبه سكون الغرفة كطعنة في صدر الوقت.
نظر ظافر إلى الهاتف عقرب الثواني يركض بجنون وكأن الزمن يفر منه ودون أن يودع صديقه التقط معطفه وانسحب من المكتب بخطوات ثقيلة تاركا طارق وحده وسط فراغ بارد تتردد فيه أصداء الكلمات التي جميعها تتحامل على تلك المسكينة فقط كي يعود إلى قصره الذي كان يهجره في وجودها.
قبض طارق على القلادة الكريستالية كأنما يحاول كسر الزمن بين أصابعه أو ليتخلص من آخر خيط يربطه بما كان... حتى بدأت راحة يده تنزف لون الدم امتزج بوهج الكريستال كأنه ختم مقدس... لم يفرج طارق قبضته إلا عندما أخبره الألم أن الحياة لا تستجيب للقوة بل للخذلان.
عندما خطا ظافر خارجا كان الليل قد فرش عباءته فوق المدينة كأنما يلفظ سرا في أذنه وهناك على قارعة الطريق كان جسد خليل ملقى كما لو أن الحياة قد ضجرت منه ورمته بلا اكتراث.
فعليا كان الأخير يلفظ أنفاسه الأخيرة وكل شهيق منه يخرج بصعوبة بالغة وكأنه يكتب سطرا جديدا في وصيته غير المكتملة.
غمغم ظافر بصوت جامد كحجر على صدر غريق يقول لرجاله
أعيدوه. لم يكن يأمر.
في قصر آل نصران صمت غير مألوف تسرب في الأروقة.
لم يكن ذلك الهدوء العادي بل كان يشبه لفظة أخيرة لحلم قطع قبل أن يكتمل.
وسط غرفة المعيشة كانت هناك حقيبة سفر حمراء زاهية بلون لا ينتمي إلى هذا المكان كأنها علامة على وجود ما زال يحاول التمسك بالحياة.
عندما عاد ظافر إلى المنزل دخل وجلس على الأريكة التي كانت سيرين تفضلها حيث كانت تترك عبقها مع كل مرة تستند فيها برأسها للخلف.
كل شيء ظل كما كان ومع ذلك كان كل شيء مختلفا... كأن القصر قد استبدل روحه بأخرى باهتة.
بقي ظافر هناك طويلا حتى وقعت عيناه على الحقيبة. لقد طلب طارق أن ترسل إليه متعلقات سيرين لكنه لم يجرؤ على فتحها حتى الآن.
تردد ثم تقدم خطوة كمن يقترب من صندوق أسرار مدفون منذ قرون انحنى أدخل الرقم السري ليفتح لسان قفل الحقيبة بسهولة... كان عيد ميلاده بالطبع كان يعلم... لما لا وسيرين كانت تستخدمه في كل كلمات المرور داخل القصر وكأنها بذلك تربطها به حتى في أدق التفاصيل.
تأملت نظراته محتويات الحقيبة التي لم يكن بداخلها سوى الضروريات اليومية وبعض الملابس أشياء بسيطة بلا بريق بلا هوية صاخبة... لم تكن تشبه امرأة بل كانت تشبه مسافرة مجردة من أي انتماء.
أعاد إغلاقها سريعا كأنه يخشى أن تقفز الذكريات منها وتبتلعه.
دون أن يكلف نفسه عناء العشاء توجه إلى الغرفة التي كانت يوما مملكتهما المشتركة وبمجرد أن فتح الباب استقبلته رائحة الفراغ... لا شيء سوى رمادها وبجانبها تلك الصورة بالأبيض والأسود مائلة قليلا كما لو أنها تنتظر يدا تعيدها إلى وضعها المستقيم.
أطلق ظافر أنفاسه بيأس وكأنما يدور حول نفسه في حلقة مفرغة فحرق الجثة منع أي فرصة لاختبار الحمض النووي لكن ظافر كان متأكدا... سيرين لم تمت.
أجل لم تكن لتختار الموت فهي لا تملك الشجاعة الكافية لذلك! كيف لفتاة كانت تخشى حتى لسعة إبرة أن تواجه الموت وجها لوجه
لا لم تكن النهاية... لم تكن سوى فصل جديد خططت له بخبث هي فقط أرادت أن تختفي أن تهرب... إلى كارم.
لقد أجرى تحرياته... وعلم أن كارم ذلك الرجل الذي لطالما كان أميرها الساحر في قصص الطفولة كما أنه لم يكن متزوجا بل كان حرا... حرا ليكون اختيارها الجديد.
تلك الليلة لم يغمض له جفن وعندما حل الصباح كان مستيقظا قبل بزوغ الشمس كأنما كان يراقبها وهي تزحف فوق الأفق.
بعد أن انتهى من اغتساله وجد ماهر قد
في البداية ظن أنه بخير... لم يتغير شيء في حياته لكنه كان مخطئا.
بدأ يلاحظ الفراغ... طبق ناقص على المائدة صورة إضافية في المنزل تلك التي كانت بمثابة تأبين لها رسائل اختفت... كما أنه لم يعد هناك من ينتظره عند الباب أو يرسل له تذكيرا بالعودة مبكرا.
وللمفارقة بدأ يعود إلى المنزل في الموعد المحدد... بل وأحيانا أبكر مما كان يفعل عندما كانت سيرين هناك.
في المكتب لاحظ الجميع ذلك فمن كان يعرفه من قبل أخذ يتساءل
كم كان يكرهها كم كانت ثقيلة على قلبه ليصبح أكثر التزاما بعد غيابها
إحدى السكرتيرات علقت بسخرية
السيد نصران كان يحتقرها والآن بعد موتها... أصبح يعود للمنزل كأنه مشتاق!
رد أحدهم بضحكة ساخرة
رجل مثله لم يكن ليحب فتاة صماء! لم تكن تعرف كيف تتجمل لم تكن تفهمه أصلا.
ضحك آخر قائلا
لو كنت بجمالها لجعلت كل الأنظار تلاحقني! لكنها لم تفعل... يا لها من حمقاء.
في تلك الأثناء وقف ظافر أمام النافذة مسندا جبهته إلى الزجاج البارد يحدق في المدينة الممتدة أمامه كأنها سراب لا سبيل لإدراكه.
الأضواء تتراقص في عينيه بلا معنى والمباني الشاهقة تتخذ أشكالا متداخلة وكأنها تذوب في ضباب أفكاره.
لم يكن ينظر إلى المدينة حقا بل إلى فراغه الداخلي الذي يتسع كل ليلة حيث يتردد صدى صمتها في جنبات روحه.
لم يكن أحد يعلم... لم يكن أحد يدرك أن كل عودة مبكرة إلى المنزل لم تكن سوى رحلة عبثية للبحث عنها في الفراغ في الأثاث في الظلال التي تركتها وراءها كأنها كانت تختبئ بين طيات الهواء أو تنساب بين ذرات الضوء الخافت تهمس له دون أن يسمع تترك أثرها في كل شيء إلا أنها لم تكن هناك أبدا.
الفصل 23
كانت كلمات السكرتيرات تتراقص في الأجواء حين مر ماهر بالمكتب فالتقطها سمعه كصياد محترف يعرف كيف يميز الإشارات وسط الضجيج. لم يكن من هواة التدخل في شؤون الآخرين لكن عيناه اللتين تمرستا على قراءة تعابير ظافر ككتاب مفتوح لم تستطيعا أن تتجاهلا ما يحدث.
ظافر... ذلك الرجل الذي صار شبحا لا يهدأ يطارد أثرا غامضا في الظلال. لم يكن عمله مجرد إدارة الشركات وإبرام الصفقات بل باتت أيامه سلسلة متواصلة من البحث المحموم عن سيرين وفي الوقت نفسه حربا صامتة على إمبراطورية كارم. بالنسبة لماهر لم يكن هذا هوسا انتقاميا فحسب بل كان شيئا أعمق شيئا ينبض
مرت الأيام كأنها تنسل من بين يديه كالرمل لكنه لم يتعب لم يتراجع لم يفقد شغفه المحموم بالبحث.
في ليلة رأس السنة الجديدة حينما احتضنت السماء المدينة بوشاح من الثلج كان المكان يلمع بأنوار الاحتفال لكن داخله كان ظافر يغرق في ظلام صمته. في السنوات الماضية لم تكن ليلة رأس السنة تكتمل دون أن تذهب سيرين معه إلى قصر آل نصران. أما الآن فقد ذهب وحده كظل بلا روح كطائر فقد جناحه الأيسر.
لم يعد يمزح لم يعد يتحدث بحيوية كما كان يفعل في حضورها. تحول إلى كيان بارد عازل بينه وبين العالم جدار من صقيع يلقي التحيات باقتضاب يدخل ويخرج كأنما تحمله الرياح. لم يعد المكان كما كان ولا الناس كما كانوا أو ربما لم يعد هو نفسه كما كان.
خارج القصر كانت الثلوج تتراكم في صمت تكسو الطرقات ببياض ناصع مشهد ساحر كلوحة من وحي الأساطير. لكن بالنسبة لظافر كان هناك شيء ناقص شيء لا يراه الناس لكنه يحسه يتردد كصدى في صدره.
في مهب الذكرى ودوامة الضياع
وقف أمام النافذة العملاقة التي تمتد من الأرض إلى السقف جبهته تستند إلى الزجاج البارد كأنما يحاول امتصاص شيء من صلابته.
كانت عيناه تحدقان في الثلج المتساقط لكنه لم يكن يراه حقا... بل كان يغوص في دوامة من الذكريات
همس بصوت خرج كصفير الريح بين أضلع خاوية يقطر وعيدا ومرارة كدمعة لم تجد طريقها للسقوط
سيرين... من الأفضل لك أن تأملي ألا أجدك!
لم يقطع صمته سوى صوت الباب وهو يفتح ببطء فتراجع بصره عن بياض الثلج ليقع على شادية وهي تخطو إلى الداخل. كانت ترتدي معطفا يليق بأجواء الليل الباردة لكن عيناها فقط هما ما حمل الدفء وسط كل هذا الصقيع.
اقتربت منه بخطوات وئيدة ثم قالت بصوت مشوب بالحيرة والقلق
ظافر ما الذي حدث لك أشعر وكأنك شخص آخر منذ أن رحلت سيرين...
في نبرتها رجاء لكنه لم يكن معنيا بالاستجابة لم يتغير... هو فقط أزاح القناع الذي كان يخفي جحيمه الداخلي.
أردفت شادية وعيناها تتابعان ملامحه المتجمدة في قسوتها
لا تقل لي أنك أحببتها لكنها... رحلت الآن.
رفع عينيه أخيرا لينظر إليها لكن النظرة التي ألقاها لم تكن سوى ظل باهت للرجل الذي عرفته.
شفتاه انعطفتا في شبه ابتسامة مشوبة بالازدراء وكأن ما قالته لا يستحق حتى أن يناقش.
إنها لا تستحق!
خرجت كلماته كالسوط حادة
فتحت شادية فمها لترد لكنها توقفت عندما رفع
متابعة القراءة