عشق لا يضاهى كاملة بقلم اسماء حميده (الفصل الواحد والعشرون حتى الخامس والعشرون)
المحتويات
يده آمرا إياها بالمغادرة. عرفت أنه لم يعد هناك ما يقال فاستدارت لتخرج لكن ظلها بقي يطوف في الأرجاء حتى بعد أن غادر جسدها.
بقي وحده... كما كان دوما وكما سيظل ومن ثم رمى بجسده فوق الأريكة يسكب شرابه في محاولة جدباء كي يغرق نيرانا لن تخمد.
لم يدر كم كأسا شرب ولا متى بدأ العالم حوله يترنح كل ما شعر به هو البرد... برد لا علاقة له بحرارة المدفأة التي تشتعل أمامه.
ثم همس وكأنما يستجدي طيفها
سيرين... آه سيرين...
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل حين دوى صوت المنبه وكأنه يدعوه للعودة إلى الواقع الذي طالما تهرب منه.
فتح عينيه بصعوبة يتلمس الهواء من حوله... للحظة كان متأكدا أنه رآها أنها هنا أن أصابعها الباردة قد لامست وجهه أن أنفاسها قد خالطت أنفاسه.
مد يده نحوها بجنون لكن... لا شيء كانت قد اختفت تماما كما اختفت من حياته.
في تلك اللحظة كان الليل قد أسدل ستائره على المدينة لكن النوم استعصى على طارق أيضا وكأن الأرق قد اتخذ من جفنيه وطنا. هاتفه لم يكف عن الرنين باسم دينا الذي يتوهج على شاشته كوميض خاطف يقتحم عزلته يتكرر بلا هوادة كنداء يرفض أن يخبو.
وحين تجاهل الرد انهالت عليه الرسائل كلماتها تتكاثر كأمواج غاضبة ترتطم بصخور صمته لكنه لم يعبأ.
بلا تردد مد يده وأغلق الهاتف وكأنه يحاول أن يغلق معه بوابة ضجيج لم يعد يحتمله.
ثم من جيب سترته الداخلي أخرج قلادة الكريستال تلك القطعة الصغيرة التي لم تفارقه يوما كشريان خفي يصل بينه وبين ماض يحاول الفرار منه دون جدوى.
أمسكها بقوة كمن يتمسك بظل ذكرى توشك على التلاشي.
مرر أنامله عليها ببطء بحركة تشبه همس الريح فوق سطح ماء ساكن يستعيد عبر ملمسها دفء أصابعها التي حوتها ذات مساء بعيد.
في مطار أثينا بعد أربع سنوات
برز ثلاثة أشخاص وسط الحشود رجل وامرأة يافعان وبينهما صبي صغير يحمل على ملامحه وقاره الصغير.
كانت الفتاة تسير بخطوات هادئة وقد ثبتت شعرها إلى الخلف بمشبك بسيط تتراقص منه بضع خصلات ناعمة كأنها تعاند النسيم الذي يمر على استحياء وفي أذنيها استقرت سماعة وكأنها تحاول أن تعزل نفسها عن صخب العالم أو ربما العكس من يدري .
لكن الجمال في وجهها لم يكن مجرد ملامح منحوتة بإتقان بل كان يكمن في عينيها المتألقتين عميقتي البريق اللتان تحملان ألف قصة لم ترو بعد ومع ذلك كان هناك ظل ثقيل من الحزن يختبئ خلف لمعانهما كأنهما نافذتان تطلان على قلب مرهق بحكايات لا تناسب عمرها.
إلى
كان الصبي يرتدي ملابس بسيطة لكنها أضفت عليه هيبة صامتة كأنها رداء ملك صغير نفي عن عرشه وبين يديه جريدة مالية يتفحص صفحاتها بجدية لا تليق إلا برجل يخطط لمستقبله لا بطفل ما زال يتعلم أبجديات الحياة.
وعلى الجانب الآخر منهذ جلست فاطمة وقد نالت السنوات منها بعض الشيء إلا أن نظرة الحنان في عينيها ظلت كما هي ثابتة كأنها ملاذ دافئ لا يتغير.
رفعت سيرين عينيها إلى الساعة ثم مالت برأسها نحو الصغير ومسحت على شعره بحنو تقول
لقد حان الوقت تقريبا زاك. كن مطيعا لجدتك حسنا
أخفض زكريا الجريدة ببطء وعيناه تمران سريعا على الصورة التي تتصدر إحدى الصفحات صورة ظافر تحركت أصابعه الصغيرة ليطوي الجريدة برفق ثم رفع رأسه إليها وقال بصوت هادئ لكنه مفعم بالجدية
سأفعل.
لم يكن سوى طفل في الثالثة لكنه كان يتحدث بثقة رجل اعتاد أن يحمل الأعباء على كتفيه دون تذمر.
حدقت سيرين في عينيه للحظة وكأنها ترى انعكاس ظافر في ملامحه نفس النظرة نفس الثبات حتى الصمت بين كلماته كان يشبهه.
مدت ذراعيها لتعانقه ترددها كان واضحا كأنها تحاول أن تختزن دفء حضنه قبل أن تبتعد ومن ثم أردفت تقول بهمس
اعتن بأخيك الصغير أيضا.
ربتت فاطمة على كتفها بلطف قائلة بابتسامة مطمئنة
لا تقلقي سأعتني بهذين الشقيين.
أومأت سيرين بينما أناملها ما زالت متشبثة بالحقيبة وكأنها تحاول تأجيل الرحيل.
ثم ببطء سحبت الحقيبة خلفها ومضت نحو الطائرة المتجهة إلى المدينة تاركة خلفها قلبا صغيرا يحمل ملامح رجل وعينين تترقبان عودتها بشوق.
الفصل 24
داخل مقصورة الدرجة الأولى حيث تتوارى الأرض خلف غيوم مترفة كأجنحة حلم جلست سيرين تحدق عبر النافذة عيناها تائهتان في بحر السماء لكن فكرها كان يغوص في أعماق الماضي ينبش ذكريات أربع سنوات ولت كأنها كتاب قديم انفتح فجأة على أكثر صفحاته وجعا.
حينها كان الحزن قد نسج حولها شرنقة من الاكتئاب سجنا شفافا لا يراه أحد سواها.
بعد أن استنجدت سيرين بكارم رفيقها في الظل ليكون يدها حين عزت عليها يداها فجاءت فكرته المجنونة
أن تمحو أثرها من العالم أن تختفي كأنها لم تكن. وافقت بل استسلمت وهكذا ولدت سيرين من جديد لكن في غربة تحت سماء لم تعرفها وبين جدران لم تألفها.
وفي هذا المنفى الاختياري جاءت الحياة تهبها مفاجأة لم تحسب لها حسابا
كان القدر قد خبأ لها امتحانا صعبا درسا جديدا مشحونا بالألم فقد جاء نوح ابنها الأصغر إلى العالم قبل أوانه هشا كندى الفجر ضعيفا كهمسة في مهب الريح.
في مارس حين كانت الأرض تستعد لاستقبال الربيع تلقيت الخبر الذي سلبني دفء الشمس وألق الزهور... نوح قطعة من روحي شخص بمرض استنساخي من الخلايا الجذعية سرطان الدم كأن الموت كان ينتظره عند الباب منذ ولادته كضيف ثقيل لن يرحل بسهولة.
رفعت سيرين يدها المرتعشة إلى صدرها كأنها تحاول أن تكبح رجفة قلبها فلا شيء يعادل ألم أم ترى فلذة كبدها يصارع وحشا لا تملك أمامه سلاحا سوى الدعاء.
وأخيرا لحسن الحظ أن الأطباء قد أخبروها بأن زرع الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحبل السري قد يكون طوق النجاة الأخير فرصة ضئيلة لكنها قائمة كنافذة ضوء تتسلل عبر شقوق الظلام ومنذ أن تلقت سيرين الخبر وهي تجوب الدروب الملتوية تحاول بكل الطرق أن تحصل على ما تحتاجه من ظافر كمن يلهث وراء سراب في صحراء قاحلة غير أن كل محاولاتها كانت تصطدم بجدار صلد صمت أبدي لا يلين وكأن القدر قرر أن يراوغها في أشرس معاركه.
الوقت ليس في صف نوح فكلما تعجلت في إجراء العملية زادت فرص نجاته وكأنها تسابق عقارب ساعة رمالها تتساقط بلا رحمة.
والآن لم يكن أمامها سوى خيار واحد خيار يحمل من المرارة أكثر مما تحتمله روحها ولا محالة سوى أن تخوض المعركة بنفسها وحدها ودون تراجع.
أجل فلولا نوح لما وطأت قدماها ذلك المكان مجددا ولا حتى فكرت للحظة في البحث عن ظافر.
لو لم يكن نوح لكانت طوت تلك الصفحة إلى الأبد كحلم أفاقت منه على كابوس واقعها.
قبل الإقلاع وبينما كانت أنوار المطار تتلألأ تحت ظلال الغيوم الشتوية تلقت سيرين رسالة من كوثر صديقتها الأقرب تلك التي كانت دائما رفيقة الدرب وزميلة الأسرار.
_ أيامي مزدحمة حد الاختناق لكن ما إن أعود سأكون لك درعا في وجه ظافر وسألقن تلك العاهرة دينا درسا لا ينسى. _
تسللت ابتسامة دافئة إلى شفتي سيرين كأن كلمات كوثر أشعلت في قلبها مدفأة وسط صقيع الأجواء. ردت باختصار
حسنا. ثم أغلقت هاتفها كأنها تحاول أن تحبس تلك المشاعر داخلها قبل أن يجرفها تيار الذكريات.
كوثر... ذلك الاسم الذي ارتبط بأجمل أيام الشباب.
التقت بها سيرين بين أروقة الجامعة حيث تشاركتا الضحكات والأحلام المرسومة على جدران الزمن لكن الحياة كعادتها ألقت بهما
لم يكن الشتاء كريما هذا العام السماء حبلى بالمطر وكأنها تبكي على أسرار لم تجد من يبوح بها وحين حطت عجلات الطائرة على أرض المطار كانت عقارب الساعة تقترب من السابعة مساء.
نزلت سيرين بخطوات مترددة تلتهم عيناها المكان الذي بدا لها مألوفا لكنه يحمل غربة خفية وكأن الزمن قد عبث بتفاصيله بينما كانت هي بعيدة.
وحين خرجت إلى بوابة المطار انزلقت أمامها سيارة لينكولن فاخرة بلون الليل توقفت في اللحظة التي عبرت فيها الرصيف وكأنها كانت تنتظرها منذ الأزل.
ترجل السائق وكان رجل تبدو عليه ملامح الاحترام والاحترافية وانحنى قليلا وهو يفتح الباب قائلا بنبرة هادئة
من هنا من فضلك سيدة تهامي.
رفعت عينيها إليه والتقت نظراتهما للحظة ثم أومأت برأسها قائلة بصوت خافت
شكرا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ودودة وهو يرد
أنت صديقة رئيسي فلا داعي لكل هذه الرسميات لقد حرص على ترتيب كل شيء من أجلك.
لم يكن الرئيس سوى كارم.
لولا أن كارم كان طوق نجاتها قبل أربع سنوات لما أدركت سيرين أن تواضعه كان قناعا يخفي خلفه نفوذا لا يستهان به إذ أن كارم كان يقول دوما إنه مجرد رجل أعمال صغير لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك... هذا الكارم كان يحرك الخيوط في الظل يتنقل بين القانوني وغير القانوني كراقص على حبل مشدود ولولا تدخله لما استطاعت سيرين الفرار من زواجها بظافر هي وتوأمها.
الآن وهي تعود إلى هذه المدينة لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها... لكن ما تعرفه يقينا أن يد القدر لم ترفع قلمها بعد.
في مقعدها بجوار النافذة راحت سيرين تحدق عبر الزجاج في المشاهد التي تتبدل أمامها كلوحات فنية تتحرك بانسياب وكأن الأرض تسرد عليها قصصا صامتة عن الزمن الذي مضى.
المدينة لم تتغير كثيرا خلال السنوات الأربع الماضية لكنها بدت كأنها ترتدي قناعا جديدا قناعا يحمل بصمة دينا التي غزت شوارعها بصورها المعلقة على كل جدار وكأنها باتت جزءا من نسيج المكان نفسه.
خلال هذه السنوات لم تكن دينا مجرد مغنية أو ممثلة فحسب بل تحولت إلى أيقونة ترفيهية نجمة يتسابق الجميع ليحظوا بلمحة منها كانت شهرتها أشبه بضوء ساطع يخطف الأبصار لكن سيرين تجنبت النظر إليها وگأنما بريقها قد يحمل معها ظلالا لا
بعد ساعة من السير في طرقات المدينة توقفت
متابعة القراءة