رواية عشق لا يضاهى بقلم الكاتبة أسماء حميدة الفصل 179 ظافر وسيرين كاملة
الفصل 179
كانت شادية تظن أن ظافر يحرص على كتمان حقيقة والدة نوح كما لو كانت سرا معيبا في سيرة حياته النظيفة فافترضت أن صمته المطبق عند إعادته للصغير ما هو إلا حائط عازل يحجب خلفه ماضيا لا يريد له أن ينفض غباره أمام أعين العائلة.
ولما أزعجها الغموض أفرغت فضولها دفعة واحدة في مكالمة هاتفية حادة كانت أسئلتها تسقط كالرصاص في أذنه.
ظل ظافر صامتا للحظة كأن الكلمات قد جفت في حلقه قبل أن يمر ذهنه بخاطرة مباغتة
هل كانت شادية ستتقبل نوح كأحد أفراد عائلتها لو لم يكن من دمه هل كانت لتكترث به لو لم تظن أنه وريثها المفترض
قال ظافر بصوت خافت لكنه حاسم
كفي عن التدخل في ما لا يعنيك أمي.
ثم أنهى المكالمة بضغطة باردة تاركا على الهاتف صدى غاضبا يتردد في الفراغ.
تململ ظافر في مكانه كمن ضاق صدره بجدران القصر ومن ثم التقط هاتفه كمن يبحث عن ملاذ فانزلق بإصبعه إلى ألبوم صور مخفي لا يدخله إلا حين تداهمه الأشباح.
ثلاث صور فقط.
الأولى صورة لتقرير الفحص الطبي حين اكتشف حمل سيرين قبل سنوات.
الثانية وجه نوح يحدق فيه بعينين تحملان نصفه ونصف حكاية لم تكتب.
أما الثالثة... فظهر شاب التقطت له صورة عن بعد وعين ظافر تحدق فيها كأنها خريطة تبحث
هل هذا ابن كارم هل هاتين الصورتين لوالد وولده
تقلبت شكوكه بين اليقين الإنكار لذا لم يجرؤ على إجراء فحص يقطع الشك باليقين فلو ثبت العدم لمات الأمل في قلبه خنقا.
أغلق الهاتف كما يغلق باب نعش وترك تلك الأسئلة تتخبط في أعماقه.
في الجهة الأخرى كانت شادية تجلس كملكة جريحة لكنها لم تفقد بعد شهيتها للسلطة إذ بدا على ملامحها ابتهاج خبيث وهي تتحدث مع سكرتيرتها
بغض النظر عن كل شيء أريد أن أرى الطفل.
أشارت بأصابعها النحيلة وكأنها توقع أمرا عسكريا فهي مستعدة لدفع أي ثمن مقابل الحقيقة ولو كلفها كل ما تملك فبالنسبة لها لم يكن نوح مجرد طفل بل حلقة نجاتها الأخيرة... وجوده كان سيثبت أمام كبار عائلة نصران أن جيناتها لم تخنها وأن ابن ظافر وريثهم الذي تأخر قد يكون ثمرة نخاعه رغم كل ما قيل عنه.
ففي زمن مضى قد أنجبت شادية توأما لكنها لم تنعم بالفرح طويلا فالأطباء اكتشفوا سريعا أن أحد الطفلين يحمل مرضا وراثيا نادرا وأعلنت شادية وفاة توأم ظافر على إثر هذا المرض ومنذ ذلك الوقت وبدأ الجحيم... فحماة شادية كانت كذئب عجوز شم رائحة العطب ولم تفوت فرصة لاتهامها بأنها أصل العلة فقلبت عليها العائلة بصمت عيونهم تنبش في دمها.
مرت سنوات حتى ورث ظافر زمام الأمور وأعاد لها شيئا من كرامتها أمامهم... لكنه ظل بلا طفل وبقيت الشائعات تنزف حول رجولته إذ قيل همسا إنه مريض وإنه عقيم.
لكن شادية لم تعترف قط... لم تبح حتى لظافر بالحقيقة كاملة... لم تخبره عن خطأ الجينات الذي ظنته عارا ولا عن الظلال التي أحاطت بماضيها الطبي... كانت امرأة تبتلع الألم ولا تخرجه إلا على شكل انتقام... واليوم ترى في نوح فرصتها الأخيرة لتتم انتقامها.
عودة إلى قصر ظافر.
حين عادت سيرين من المستشفى كان الليل قد ألقى وشاحه على المدينة لكن أضواء غرفة المعيشة ظلت مشتعلة تنبض بقلق خفي.
دفعت باب القصر بخطى هادئة وكأنها تخشى أن تفسد سكون اللحظة... داخل الغرفة كان ظافر مستلقيا على الأريكة يحيطه ضوء خافت يتلألأ من مصباح أرضي كخيط ذهب متهالك وقد أمسك بكتاب بين يديه يتظاهر بقراءته يقلب الصفحات كما لو أنه يبحث عن شيء لا يجده لكن نظراته لم تكن معلقة بالكلمات بل تائهة في مكان آخر بعيد تماما عن الحروف.
لم يظهر اهتماما حين دخلت لم يرفع رأسه وكأنه أقسم على معاقبة قلبه بالصمت.
اقتربت منه سيرين بحذر كمن يتلمس طريقه وسط حقل ألغام... فقالت بصوت دافئ إذ أرادت له أن يكون بابا يفتح صقيع المسافة
عندما عدت رأيت الزهور في الحديقة... بدت رائعة حقا.
كانت قد رأتها في الصباح لكنها اختارت تلك اللحظة لتذكرها كمن يمد له غصن زيتون مكسو بالعطر... ولولا حاجتها للتودد إليه لتحقيق ما تسعى إليه منذ أن عادت إلى المدينة ما كانت لتعقب على ما طرأ بالحديقة.
أغلق ظافر الكتاب ببطء كأن كل صفحة كانت مرآة تحرضه على النظر إلى ملامحها ثم التفت إليها... وجهه الوسيم بدا مثل قناع خزفي يخفي عاصفة مكتومة وعيناه عيناه لم تقولا شيئا لكن صمتهما كان أثقل من الشتائم.
بالتأكيد. قالها بصوت رخيم كخيوط كمان تعزف في قاعة خاوية صوت جميل لكنه لا يحمل دفئا.
شعرت بشيء ينهش قلبها شيء لم تستطع تسميته... كانت هناك مسافة بين نظراته وكلماته كأن الروح خرجت من الجسد وتركت خلفها نسخة باهتة.
تقدمت أكثر ومدت يدها بكيس صغير
في طريقي رأيت مطعما جديدا يبيع أطباقا أجنبية شهية... ففكرت أن أجلب لك شيئا ربما يعجبك.
وضعت الكيس على طاولة القهوة بعناية كأنها تضع أملا هشا على مذبح اللامبالاة إذ كانت تعلم أنه لا يحب العشاء بل كثيرا ما يكتفي بوجبة واحدة طوال اليوم لكنها أرادت أن تفتح معه بابا ولو صغيرا بابا قد يقودها إلى تلك الليلة التي تنتظرها بفارغ الصبر.
لكن كما توقعت دفع ظافر الكيس