رواية عشق لا يضاهى كاملة الفصل 208_209 تمصير الكاتبة أسماء حميدة

لمحة نيوز

الفصل 208_209
عاد ظافر إلى قصره كما يعود الليل إلى سماء أنهكها النهار.
في داخل غرفة المعيشة الخاوية جلس ظافر على طرف الأريكة الجلدية السوداء يديه متشابكتان ونظره غارق في الأرض كمن يحاول انتشال نفسه من بئر بلا قاع.
لماذا الآن 
لم يكن سؤالا بل طعنة أخرى في خاصرة تفكيره.
كيف تسللت سيرين من بين أصابعه وهو الذي ظن أنه يحكم القبضة على كل ما يخصها حتى أنفاسها
أعاد مشهد المكالمة في رأسه مرارا ذلك الصوت الآلي البارد كصفعة صامتة 
عذرا... الرقم الذي اتصلت به غير متاح... 
كأن الهاتف كان يعاقبه على خطاياه كلها ناطقا بالخذلان نيابة عن قلب ربما مات واقفا.
نهض فجأة يحدق في المرآة المعلقة فوق المدفأة فرأى انعكاس رجل مرهق لا يشبه القائد

الذي اعتاد الجميع رؤيته.
شبح رجل بعينين ضائعتين ووجه شاحب كأنما شيخوخة العاطفة قد باغتته مبكرا.
اقترب من مرآته ببطء يدقق النظر في انعكاس صورته ثم همس لنفسه بصوت متحشرج 
أكنت ظالما أم كنت أحمقا... أحمقا ظن أن الحب يقاس بالسيطرة 
أغمض عينيه للحظة فرأى وجهها... لم يكن بحاجة لتخيل ابتسامتها المنقوشة على جدران ذاكرته كما يحفر الجرح على الجلد.
كم مرة نظر إليها دون أن يراها وكم مرة سمع صوتها دون أن يصغي لنداءاتها الخافتة خلف الكلمات
وباغته صوت لين وهي تدعي البكاء ودموعها المزيفة كل هذا عاد يتسلل إلى عقله فشعر بوخز من الغضب لا نحوها بل نحوه هو.
كم من مرة صدق الكذب لأنه أراد تصديقه 
نظر إلى الهاتف مرة أخرى يتفحص سجل المكالمات
لكن لا جديد لكنه أصر واتصل... مرة... مرتان... ثلاث...
نفس الرسالة ونفس السكون القاسي بعدها.
جلس بصمت وأطلق زفرة من صدر مثقل 
أين أنت يا سيرين أخبريني فقط... كيف أعيدك 
وعندما لم يجد بدا صعد إلى غرفته ليأخذ حماما باردا عله ينعش تفكيره كي يضع خططه لإيجادها.
فأين ستذهب ولا زال نوح في قبضته
خرج من المرحاض يرتدي ملابس جديدة تفوح منها رائحة الصابون والفقد يجلس على الأريكة وكأنها لا تسعه وساقاه الطويلتان تضجان بالضيق... شعره القصير لما يجف بعد وقطرات الماء العالقة في أطرافه بدت كأنها تسرد حكاية الاستحمام العاجل الذي لم يطفئ حرائق الداخل... وفي عينيه لم تكن هناك نظرة بل متاهة.
بعد قليل دخلت سيرين ولم ترمقه بنظرة واحدة وخطت بثبات داخلي
إلى نفس وجهته السابقة متفادية أي نقاش ولكنها لعنة غباءها.
قال ظافر بصوت منخفض كأنما يخاطب صدى الغرفة لا امرأة تقف خلف باب المرحاض... يدها أدارت مقبض الباب عدت مرات ولم تظهر بعد 
خلصنا سيرين... اخرجي... هل ستظلين بالداخل ما بقى من العمر. 
اخرج. 
لكنه لم يتحرك كأن أقدامه قد تشبثت بالأرض 
لماذا أنت غاضبة 
كان سؤاله بريئا حد السذاجة أو لعله كان يتمنى أن يكون الجواب بسيطا لكنه لم يكن قد بلغ حقيقة ما جرى بعد... كان ينتظر منها أن تفتح له باب الجحيم بكلمة لا أن يدخل وحده.
همست دون أن تنظر إليه وبنبرة خالية من أي شغف 
لا يوجد سبب... أرجوك اخرج...
وقف ساكنا جامدا كمن يخشى أن يفسر الرفض ثم قال بصوت رتيب يحمل في طياته
شيئا من الغرور المكسور 
تم نسخ الرابط